ما يشبهني وما لا يشبهني (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم تكن لتخطّط أن تلفت الأنظار، لكنها تعرف أن حضورها يسبقها دائمًا. كانت تمشي بهدوء بين الناس، وكأن الهدوء نفسه يفسح لها الطريق.
لم تكن تتحدث كثيرًا، يكفي أن تمر بجانب أحدهم ليشعر بأن شيئًا مختلفًا اختلج في كيانه. وجوه كثيرة تلتفت إليها دون أن تقصد، وبعضها يبقى يراقبها حتى تختفي عند المنعطف التالي، وكأن أصحاب هذه الوجوه يبحثون في ملامحها عن سرّ لم يُفصح عنه القدر بعد.
هي لم تكن تتصنّع شيئًا، لكنّ في بريق عينيها خليطًا نادرًا من الذكاء والقوة، يرافقها مثل ضوء صغير أينما ذهبت؛ فالمرأة التي تتقدم بثقة وسط الزحام، تخبّئ في أعماقها حكايات لا يجرؤ أحدٌ على استكشافها.
كان هناك جانب يظهر بين ثنايا صمتها فقط، جانب يشبهها حقًا، فصدقها واضح لا يحتاج إلى تفسير أو إلى ضوء ليبرز. وثمّة جانب آخر لا يشبهها: هشاشة تخفيها عن الأنظار، لكنها موجودة في أعماقها.
كانت تدرك أن ما يشبهها هو هدوءها وثقتها، أما ما لا يشبهها فهو القلق الخفي، والطموح المكبوت، وحتى الأحلام التي لا تستطيع مشاركتها. كل جزء منها يعيش بصمت، يقرأ، ويحلّل، لكنها مثابرة، تهتم بأدق التفاصيل التي تجعلها تختزل كل من حولها لتكون نفسها.
كانت ترى العالم بعيون لا تبحث عن الأعاجيب، بل عن تلك اللمسات الخفية التي تكشف حقيقتها بوضوح أكبر. فهي امرأة -رغم قوة شخصيتها وصلابة ملامحها- تحمل في قلبها حنانًا لا يضعفها، بل يزيدها ثباتًا. تعطي بصدق، وتحب بصدق، لكنها لا تنحني لأحد، ولا تقبل أن تكون جزءًا من شيء لا يليق بها.
وهكذا بقيت... امرأة قوية وناعمة في آنٍ معًا، امرأة لا تشبه ضجيج العالم، تحمل قلبًا مفتوحًا لمن يستحق، وتمضي بخطواتها الواثقة، يُحتفظ بسرّها في ابتسامتها، وفي صمتها يكمن كل جمالها...




