Contact Us
Ektisadi.com
أدب

تلك البعيدة (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
10 سبتمبر 2026 | 11:58 ص
مقال تلك البعيدة شاب وصبية قريبان بعيدان

لم تكن المسافة بيننا تُقاس ببُعد الطريق، بل بعدد الأشياء التي لم نستطع قولها. كانت قريبة حين أفكر بها، بعيدة حين أحاول الوصول إليها، وأبعد من كل المدن حين أحتاج إلى سماع صوتها.

ثم حدث ما لا أعرف كيف أضع له اسمًا. أخطأت حين غدرت بها، والأسوأ أنني تركتها تواجه غيابي بلا تفسير. كنت أنانيًا في هروبي، وفي خوفي، وفي عدم قدرتي على المواجهة.

ساد الصمت وكأنه المبرر الكافي لما فعلت. لم أترك لها فرصة أن تكرهني كما ينبغي. كنت أغيب وأغيب، ثم أظهر كي أعاود الغياب، وأتركها بين أسئلة لا أملك الإجابة عنها.

كان ضميري يعيدني إليها كل ليلة، لا ليعاقبني فحسب، بل ليذكرني بأن بعض الأخطاء لا تنتهي حين نتركها، وإنما تبدأ بعدها. كنت أتذكر تفاصيل صغيرة لم أكن أظن أنها ستبقى: نبرة صوتها، طريقتها في الصمت، الأشياء التي كانت تقولها في نظراتها، وحتى اللحظات التي ظننت فيها أن وجودها أمر مضمون.

كتبت لها كثيرًا.

مرة لأعتذر، ومرة لأشرح، ومرة لأنني اشتقت إليها. كنت أكتب الرسالة، ثم أجلس أقرأها أكثر من مرة، ثم أتوقف. أمد يدي نحو زر الإرسال، فأراه بعيدًا، وكأن بيني وبينه مسافة أبعد من المدن التي فرقتنا.

وفي كل مرة، كنت أتراجع، ليس لأنني لم أكن أريد الوصول إليها، بل لأنني كنت أخاف أن يكون وصولي هذه المرة هو الشيء الوحيد الذي لا يحق لي فعله.

حفظت الرسالة، ووضعتها بين مقتنياتي التي لا تصل إليها يد بشر، كأنها أثمن أشيائي.

ومضيت أعيش أيامي، بينما جزئي الأكبر ظل واقفًا عند أعتاب آخر لحظة جمعتني بها، يتساءل: ماذا لو تكلمت حينها؟ ماذا لو أخبرتها بالحقيقة بدل الهروب؟ ماذا لو قلت لها إنني كنت جبانًا، وإنني لم أدرك أن الصمت في بعض العلاقات ليس حيادًا، بل جريمة نرتكبها بحق من نحب؟

كم شخصًا نخسره لأننا لم نملك شجاعة كلمة؟ وكم بابًا أغلقناه بأيدينا، ثم قضينا بقية العمر نبحث عن مفتاحه؟

تعلمت متأخرًا أن بعض الأخطاء لا تُغتفر، ليس لأنها أعظم من الغفران، بل لأن أثرها في قلب الآخر قد يكون أعمق من أن تمحوه كلمة "آسف".

تلك البعيدة (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج) | Ektisadi.com | Ektisadi.com