Contact Us
Ektisadi.com
أدب

على مهلٍ يا قلب (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
20 أغسطس 2026 | 06:32 ص
سيدة تنظر من النافذة ليلاً وتحدق بالقمر فوق البحر والجبل - سنيب

منذ أن سرق من عينيها النوم، وهي تنتظر عودة الغائب. كانت كلما سمعت وقع خطوات حسبته قد أتى، وخُيّل إليها أنه عاد، وكلما أضاء هاتفها، تسارعت دقات قلبها قبل أن تكتشف أنها رسالة لا تخصه. وحين طال الغياب ولم يأتِ، بدأت تفهم أن الانتظار أحيانًا يكون أقسى من الرحيل.

في البداية، كانت تبحث له عن الأعذار. تقول ربما منعه الطريق، ربما اشتاق لكنه لم يجد الشجاعة ليعود، وربما، وربما، وربما. كانت تجمع الاحتمالات كما يجمع الغريق قطع الخشب، وتتشبث بها كي لا تغرق في الحقيقة.

مع مرور الأيام، أدركت أن بعض الأبواب لا تغلق لأننا أخطأنا، بل لأنها لم تكن لنا منذ البداية.

رغم ذلك، ظلت تقول لنفسها إن الغياب لا يعني دائمًا الرحيل، لكن في أعماقها، كانت تعرف أن من أراد البقاء لا يحتاج إلى كل هذا الغياب.

كانت الأيام تمرّ، وهي تتغير دون أن تشعر. لم تعد تنتظركما كانت تفعل، ولم تعد تفتح هاتفها كل دقيقة، ولم تعد تفتش في رسائله القديمة عن كلمة يمكن أن تمنحها أملًا جديدًا. صار حضوره في ذاكرتها أكثر هدوءًا، وصار غيابه أقل قسوة.

لكنها لم تكن تعرف أن أصعب مراحل النسيان، ليست حين يغيب من نحب، بل حين يعود بعد أن نتعلم كيف نعيش بدونه.

في ليلة هادئة، فتحت النافذة وجلست أمامها. كان القمر وحيدًا في السماء، يشبهها قليلًا. تذكرت أول مرة وعدها فيها بأنه لن يتركها، وتذكرت كيف صدقت الوعد بكل قلبها. ابتسمت، لا سخريةً من نفسها، بل حنانًا على تلك الفتاة التي كانت تؤمن أن الحب وحده قادر على إبقاء شخصين معًا.

أغلقت النافذة، مدّت يدها إلى هاتفها، فتحت رسائله القديمة، وبقيت تقرأها بصمت. كانت الكلمات نفسها التي حفظتها يومًا عن ظهر قلب، لكنها الآن بدت غريبة، أحست حينها أن كل ما تبقى منه سوى الذكريات.

وضعت الهاتف جانبًا، ثم استدارت نحو الباب الذي أغلقته خلفها وابتسمت، كأنها زهرة استعادت رونقها عندما تساقطت حبات الندى على أغصانها.

وفي تلك اللحظة، همست لنفسها: "على مهلٍ يا قلب... لا تبحث عمّن اختار الغياب، ولا تخف من الطريق الذي بدأ بعده. فما فقدناه بالأمس، قد يكون هو نفسه ما أنقذنا اليوم".

ولأول مرة، لم يكن هناك غائب تنتظر عودته، ولا رسالة تتمنى وصولها، منذ تلك اللحظة، لم تعد تنتظر أحدًا اليها... ليعود فقد عادت هي إلى نفسها، وكان ذلك أجمل ما حدث.