بين التعليم... والعبودية (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


نزولًا عند رغبة الصديق الدكتور فارس اشتي وبناءً على نصحيته، سنتناول في هذه السلسلة من «من هنا… وهناك»، بعض الأمثال والأقوال المتداولة بين الناس، محاولين العودة إلى معانيها وأصولها، والتأمل في ما تحمله من حكم ودلالات، وما قد يعتري بعضها من التباس أو خطأ في الصوغ.
«من علّمني حرفًا صرتُ له عبدًا»... قولٌ شهير، يتناقله الناس بكثرة، ويستخدمونه للتعبير عن الامتنان للمعلم وتقدير فضله وعطائه. لكن، فلنقف قليلًا ونفكّر في تركيب هذا القول ومعناه: كيف يمكن من يعلّمنا أن يجعلنا عبيدًا؟ أليس العلم معرفة؟ أليست المعرفة نورًا؟ أليس النور طريقًا إلى الحرية؟ والحرية والعبودية نقيضان لا يلتقيان؟!
من هنا، قد يكون الأفضل والأصح أن نقول: «من علّمني حرفًا صنتُ له عهدًا». فالعهد التزام، والوفاء بالعهد دليل على صدق الإنسان وحريته، لا على خضوعه وعبوديته. ومن يتعلّم لا يُفترض أن يفقد حريته، بل أن يكتسب وعيًا يحرّره من الجهل المطبق والتبعية العمياء.
فالعلم لا يصنع العبيد، بل يفتح أبواب الفكر، ويمنح الإنسان القدرة على السؤال والتمييز واتخاذ قراره. أما تحويل فضل المعلم إلى عبودية، فهو خلط الاحترام بالخضوع، والوفاء بإلغاء الذات.
ومع ذلك، يبدو أننا نعيش اليوم في زمنٍ تتعدد أشكال العبودية، وإن اختلفت عن صورها القديمة. فالعلم مليء بعبيد المال، وعبيد الشهرة، وعبيد السلطة، وعبيد الحكام، وعبيد الشهوات... وغيرهم ممن يسلّمون إرادتهم للآخرين، طمعًا في مكسب أو خوفًا من خسارة أو بحثًا عن مكانة.
وهنا يبرز السؤال: ما دام الله قد خلقك حرًّا، فلماذا تقبل أن تعيش عبدًا؟
عِش حرًّا، وفكّر حرًّا، وامتلك شجاعة قول الحق، ولا تجعل إنسانًا أو مالًا أو سلطة تستولي على إرادتك. كن وفيًّا لمن علّمك، واحفظ الجميل، لكن لا تتخلَّ عن كرامتك وحريتك. وهنا نقف عند قول عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».
فالإنسان الحرّ يقدّر من يعلّمه، ويحفظ عهده، ويظلّ وفيًّا للمعرفة، من دون أن يكون عبدًا لأحد أبدًا.




