كيف صنعت "العين" و"الغين" فارق الحضارة؟ (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد الخطيب)
بين العرب والغرب نقطة واحدة في الرسم اللغوي، لكنها في الواقع المعيش تصنع فجوة حضارية شاسعة وعميقة.

Walid Hussein Al-Khatib is a Lebanese academic and journalist from the town of Shebaa, in the Marjayoun–Hasbaya district. He works as an editor at the Arab Center for Research and Studies in Beirut and writes for several online platforms and media outlets. He has taught Arabic literature and philosophy. His first poetry collection, "Roses and Earth", was published in 2000, and in 2018 he prepared a book titled "What Do Our Bodies Say?". In 2023, he released his second poetry collection, "Between This and That", and has contributed to various cultural and literary fields.
وليد حسين الخطيب أكاديمي وصحافي لبناني، من بلة شبعا، قضاء مرجعيون-حاصبيا. يعمل محرّرًا في المركز العربي للأبحاث والدراسات - بيروت. يكتب لعدّة مواقع إلكترونية ووسائل إعلامية. درّس الأدب العربي والفلسفة، وأصدر ديوانه الأول "ورد وأرض" عام 2000، وأعدّ كتابًا بعنوان "ماذا تقول أجسادنا؟" عام 2018. نشر ديوانه الثاني "بين هذا وذاك" عام 2023، وله مساهمات ثقافية وأدبية متنوّعة.
بين العرب والغرب نقطة واحدة في الرسم اللغوي، لكنها في الواقع المعيش تصنع فجوة حضارية شاسعة وعميقة.
بعد أن تخلّى المسؤولون عن مسؤولياتهم التي لم يتحمّلوها أصلًا، وعاثوا فسادًا في الوطن وقتلًا في الأرواح، أصبح بلدنا كلّه شاغرًا ممّن يهتمّ به ومن الضمائر والأخلاق ومن الإنسانية ومن الكرامة!
نرى أنّ الدول لا تنهار حين تضعف جيوشها وحسب، بل حين تتأكّل قواعدها الداخلية ببطء. حين تصبح العدالة انتقائية، والكفاءة عبئًا، والواقع مجرد شائعة، والفساد أسلوب حياة.
ما ينساه الطباخون في مطبخ الصفقات، أن الروائح، مهما أُحكم إغلاق الأبواب، لا بد أن تتسرّب. وأن الحساب، وإن تأخر، لا يُلغى... بل يتراكم، حتى يأتي يومٌ لا تُجدي فيه دفاتر الشروط ولا لجان التقويم، يومٌ تُفتح فيه الملفات لا لتُراجع، بل لتُدان.
أخطر ما في هذه العملية ليس صُنّاعها، بل اكتمالها بالجمهور. حيث لا يكتفي المتلقي بالاستهلاك، بل يتحول إلى مدافع شرس عن الرداءة، إلى مهاجم لكل ما يخالفها، وهنا تبلغ العدوى ذروتها. لم تعد التفاهة مفروضة، بل صارت مُختارة، مُبرَّرة، بل ومحبوبة أيضًا.
هكذا لا يُغتال العقل دفعة واحدة، بل يُستنزف ببطء، حتى يعتاد غيابه، ويصير حضوره حدثًا نادرًا، يُستغرب بدل أن يُحتفى به.
في هذا البلد الذي لا يموت من شدّة ما يتقن فنّ الاحتضار، لا تحتاج إلى نشرة أخبار لتعرف ما يحصل، حيث يكفي أن تُصغي إلى خطابٍ واحد، فتدرك أنّ الواقع في مكان، واللغة في مكانٍ آخر، وأن بينهما هوّة تُردم بالتصفيق لا بالحقيقة.
من هنا، نتفنّن في التكيّف، حتى صار التكيّف مرضًا مزمنًا. نتكيّف مع الغلاء، مع العتمة، مع الوعود التي تُلقى علينا صدقات لفظية، ومع واقعٍ كلما حاولنا فهمه، ضحك من سذاجتنا. نُقنع أنفسنا بأن الأمور "ماشية"… لكنها في الحقيقة تمشي فوقنا. ومن هناك، يتذمّر الناس من تأخّر القطار دقائق، بينما هنا ننتظر أعمارنا بأكملها ولا تصل.
عدتُ من هناك وأنا أحمل أكثر من ذكرى؛ أحمل وجوهًا، وأصواتًا، ونقاشاتٍ لا تزال تتردّد في داخلي. لكنني، قبل كل شيء، عدتُ وأنا أكثر يقينًا بأنّ الحب، حين يكون بوصلةً، لا يضلّ الطريق… وأن الثقافة، حين تُروى بصدق، قادرة على أن تجمعنا، مهما تباعدت بنا الأمكنة.