Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

كواليس الموازنة العامة تتكرر… والموظف يُستنزف

بتول عدنان غيث
8 سبتمبر 2026 | 07:29 م
تُجسّد الصورة اختلال الموازنة العامة في لبنان ai

5000 دولار شهريًّا للنائب و6 أسس راتب كمستحقات إضافية للموظف. بين هذين الرقمين، تظهر واحدة من أكثر مفارقات الموازنة العامة وضوحًا: مستحقات تُقرّ للقطاع العام، لكنّها لا تعني تصحيح الراتب الأساسي، فيما يبقى المواطن أمام كلفة معيشة ترتفع أسرع من قدرته على تحمّلها.

تُترك الموازنة العامة على حالها، كما لو أنها وُضعت على رفٍّ يأكله الغبار، فلا تحقق مكاسب لمواطن ينتظر كل موازنة لينتشل من حفرة الفقر التي تبتلعه كل يوم. ومع كل جلسة للموازنة العامة، يصحو اللبناني على أمل يقظة ضمير الساسة.

لكن، ما الذي تحمله هذه الموازنة فعلًا إلى المواطن؟ فالـ6 أسس التي أُقرت للقطاع العام، إضافة إلى 3 أسس كمفعول رجعي، ليست تصحيحًا للراتب الأساسي بما يتناسب مع كلفة المعيشة، بل مستحقات هي من حق الموظف في القطاع العام. وبينما تبدو هذه الأرقام على الورق وكأنها زيادة، يبقى السؤال: هل تكفي فعلًا لتغيير واقع الموظف؟

المشكلة أن الموظف لا يعيش على الأرقام وحدها. فمع ارتفاع كلفة الغذاء والسكن والتعليم والنقل، تتراجع القدرة الشرائية للراتب، وتتحول المستحقات الإضافية إلى حل مؤقت بدل أن تكون معالجة حقيقية لأزمة الأجور. وهذا يفتح الباب أمام ملف آخر لا يقل أهمية، هو ملف المتقاعدين.

فالمتقاعد الذي أمضى سنوات في خدمة الدولة لا يواجه فقط مشكلة معاش فقد جزءًا كبيرًا من قيمته، بل يواجه أيضًا أعباء الطبابة والمنح المدرسية وغيرها من المستحقات. وبعض هذه المستحقات عن سنوات سابقة لم تصل في وقتها، ما يجعل حصول المتقاعد على جزء منها بعد الانتظار لا يشكل معالجة كاملة لوضعه. وفي النهاية، يبقى السؤال: ماذا يفعل من انتهت سنوات خدمته ولم يعد يملك راتبًا آخر يعوّض ما خسره؟

ولا تتوقف الصورة عند القطاع العام. فموظف القطاع الخاص يعيش الظروف المعيشية نفسها، ويدفع كلفة التعليم والطبابة والسكن والنقل والغذاء نفسها، لكن إقرار الموازنة لا يعني تلقائيًا زيادة في راتبه. وهكذا تصبح أزمة الأجور قضية تتجاوز حدود الوظيفة العامة لتطال شريحة واسعة من اللبنانيين.

فالنائب في البرلمان اللبناني يحصل على راتب يتجاوز الـ5000 دولار شهريًا، بينما رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص لم تزداد ولو فتاتًا، وكأنّ النائب يمرّ بوعكة مالية يُشفى بزودة، بينما الموظفون يعيشون حالة رخاء. وهنا تبرز المفارقة: لماذا تكون زيادة راتب النائب أولوية، ولماذا يبدو الحل لمشكلته بسيطًا ومباشرًا بمجرد زيادة راتبه، بينما يحتاج الموظف والعسكري والمتقاعد إلى سنوات من الانتظار والنقاش والوعود حتى يحصلوا على ما يساعدهم في مواجهة أعباء الحياة؟

المسألة ليست في رفض أن يتقاضى النائب راتبًا مقابل مسؤولياته، بل في السؤال عن معيار الأولويات. فإذا كانت زيادة راتب المسؤول يمكن أن تكون حلًا مباشرًا عندما يشعر بأن دخله لم يعد كافيًا، فلماذا لا يُنظر بالطريقة نفسها إلى الموظف الذي يعيل عائلة، أو العسكري الذي يؤدي واجبه، أو المتقاعد الذي أفنى سنواته في خدمة الدولة؟

هنا تحديدًا تظهر وظيفة الموازنة الحقيقية: أن تحدد أين تقف الدولة عندما تتعارض الحاجات وتضيق الإمكانات. فالمواطن لا يريد أرقامًا إضافية في الموازنة بقدر ما يريد أن يرى أثرها في حياته، وأن يشعر بأن راتبه وحقوقه ليست في آخر سلّم الأولويات.

لذلك، فإن معالجة الرواتب لا يمكن أن تبقى قائمة على دفعات إضافية أو حلول مؤقتة. المطلوب معالجة أكثر استدامة تحفظ للموظف قدرته الشرائية، وللمتقاعد حقوقه، وللعسكري وعائلته مستوى من الاستقرار، من دون أن يُترك موظف القطاع الخاص خارج النقاش وكأن الأزمة لا تعنيه.

وفي النهاية، الموازنة ليست مجرد حسابات بين إيرادات ونفقات، بل صورة عن الخيارات التي تتخذها الدولة. وإذا كان المواطن هو من يتحمل يوميًا ثقل الأزمة، فمن الطبيعي أن ينتظر موازنة تضعه في صلب أولوياتها، لا موازنة يقرأها على الورق ثم يعود إلى حياته نفسها.

فالموازنة التي لا يشعر المواطن بأثرها، تبقى أرقامًا تُناقش كل عام، بينما تبقى حياته معلّقة بانتظار الموازنة التالية.