احكِ مثل لِبسَك أو البس مثل حَكيك (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


ذات يوم، اعتلى رجل دين منبرًا، وأخذ يعظُ الناس عن الصبر والزهد وترك الإسراف... محاولًا أن يقنعهم بأن الدنيا لا تستحق التعلّق بها، وأن القناعة كنز لا يفنى، وأن المؤمن الحق هو من يرضى بما قسم الله له.
وبينما كان المستمعون يهزون رؤوسهم إعجابًا بالواعظ والموعظة، رفع أحد عمال النظافة يده، كأنه يريد أن يضيف إلى الخطبة فقرة سقطت سهوًا من العظة.
وقف وقال: "سيدي، مع كامل الاحترام، جئتم إلى هنا بسيارة فارهة، وملابس من أفخر الأقمشة، وعطر يفوح حتى ليبدو أن الصبر نفسه اختنق من رائحته! وفي يدك أربعة خواتم، ثمن الواحد منها أضعاف راتبي، وهاتفك من أحدث الموديلات وأغلاها، وتذهب إلى زيارة الأماكن المقدّسة كل عام. أما أنا، فأقدس أحلامي أن أعود إلى غرفتي، ومعي ما يكفيني حتى آخر الشهر!".
ثم تابع: "رافقني يومًا واحدًا إلى غرفتي المسقوفة بالصفيح. نم ليلة فيها من دون تكييف، ثم استيقظ قبيل الفجر، وامسك المكنسة، وانزل معي إلى الشارع، ونظّف الطرقات في هذا الحر، وأنت صائم. عندئذٍ فقط ستعرف معنى الصبر الذي تحدثنا عنه".
وأضاف: "أنا أفعل ذلك كل يوم، لا طلبًا للموعظة ولا بحثًا عن الأجر في خطبة، بل لأن الحياة أجبرتني على أن أجعل الصبر رفيق دربي. وفي نهاية الشهر أتقاضى مبلغًا زهيدًا لا يساوي ثمن قارورة عطرك!".
ثم ابتسم وأردف: "عذرًا سيدي، نحن لسنا في حاجة إلى من يعلّمنا الصبر. فنحن نحترفه منذ أن وُلدنا. حدثنا عن ظلم السادة، وعن رياء بعض العلماء والخطباء، وعن البطالة التي انتشرت في المجتمع كقنبلة موقوتة. حدثنا عن سياسة إفقار الشعوب وتجويعها، وعن الفساد ونهب المال العام، وعن الطبقية وغياب العدالة في توزيع الثروات!".
توقف قليلًا، وتابع بسخرية: "حدثنا عن الواسطة والمحسوبية، وعن المناصب التي تُورَّث كما تُورَّث الأراضي والعقارات، وعن أبواب تُفتح لأصحاب النفوذ وتُغلق في وجه الفقراء. حدثنا عن كل هذا، وبعدئذٍ يمكننا أن ننظر في مسألة الصبر!".
بعد الكلام هذا، عم الصمت المنبر والمكان.
ولعل الصمت هذه المرة كان أبلغ من الخطبة نفسها؛ فبعض الناس لا يحتاجون إلى من يعلّمهم كيف يصبرون، بل يحتاجون إلى من يفسّر لهم لماذا عليهم أن يصبروا طوال العمر، بينما غيرهم لا يجد وقتًا حتى للصبر!
ومن هنا... وهناك، يبقى السؤال معلقًا فوق المنبر: هل المشكلة أن الفقراء لا يعرفون معنى الصبر، أم إن ثمّة مَن يريدهم أن يصبروا إلى الأبد؟!




