Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

الشمس بدها ترخيص! (سلسلة "من هنا... وهناك) بقلم وليد حسين الخطيب

وليد حسين الخطيب
18 سبتمبر 2026 | 02:07 ص
شاب ينظر إلى الشمس غروباً وأمامه ألواح طاقة شمسية وملفات وأختام وعلم لبناني

في لبنان، لم يعد المواطن يطلب المستحيل. لم يعد يحلم بكهرباء أربعًا وعشرين ساعة، ولا بماء يجري في الأنابيب، ولا بطبابة يستطيع تحمّل كلفتها، ولا بدولة تضعه في أولوياتها. صار حلمه متواضعًا جدًا أن يضيء مصباحًا، يشغّل حاسوبه، يفتح ثلّاجة، أو يترك أولاده يدرسون من دون أن يتحوّل البيت كهفًا.

وحين عجزت الدولة عن تأمين الكهرباء، وجد اللبناني الحلّ على طريقته: مولدات خاصة، وفواتير تشبه الرواتب، ودخان وضجيج وتلوث... ثم جاءت الطاقة الشمسية لتقول للمواطن: لا تيأس، فالسماء ما زالت تعمل!

ومنذ سنوات، بدأ اللبنانيون يركّبون الألواح الشمسية، لا حبًّا في الرفاه، بل هربًا من العتمة. الشمس مجانية، لا تحتاج إلى اشتراك، ولا ترسل فاتورة في آخر الشهر، ولا تقطع الكهرباء عندما يتأخر المواطن عن الدفع. والأجمل أنها لا تطلب "اشتراكًا للموتور!".

لكن، يبدو أن هذه الشمس السخية أثارت قلق الإدارة؛ فصدر قرار ينظّم تركيب الألواح ويضع شروطًا وإجراءات، فارتبك المواطن: هل وصلت الدولة أخيرًا إلى سطح منزله؟! وهل بقي شيء في لبنان لم يحتج إلى ترخيص؟!

وللإنصاف، لا أحد يعترض على تنظيم تركيب الألواح إذا كان الهدف حماية الناس والمباني والسلامة العامة. لكن المشكلة في دولة لم تستطع تأمين الكهرباء، فاضطر المواطن إلى دفع فاتورتين وثلاث، ثم استعان بالمولد، ثم وضع الألواح الشمسية من ماله الخاص، المشكلة أن تتحول فجأة إلى شرطيّ على سطح البيت.

والأكثر طرافة أن القرار عُلّق وأُحيل إلى جهة أخرى. جميل! في لبنان، لا يعني تعليق القرار أنه مات؛ قد يكون ذهب في إجازة قصيرة فقط، ثم يعود إلينا ببدلة رسمية جديدة! وهكذا يتعلم المواطن ألا يفرح كثيرًا بالتراجع، لأن القرار المعلّق قد يكون مجرد "بروفة" للقرار الآتي.

وهذه ليست حكاية الشمس وحدها. كم من قرار صدر، ثم عُلّق، ثم عادت الفكرة نفسها بقرار آخر! حتى في تفاصيل حياة الناس اليومية، من طريقة شراء بطاقات الهاتف إلى منع شراء "الأيام" والاكتفاء بالوحدات، شهدنا قرارات تتقدم ثم تتراجع، وكأن الحكومة تختبر قدرة المواطن على احتمال المفاجآت.

أما الضرائب، فقصتها أطول. المواطن - وأقصد به من هو خارج القطيع، الحر الذي لا يتبع أي زعيم يريد أن يعيش على حسابه ولا يؤلهه - يدفع ما عليه، غالبًا بلا تردد، لكنه لا يحصل في المقابل على الحد الأدنى من الخدمات. يدفع للدولة، ثم يدفع للمولد، وللمياه، وللطبابة، وللاتصالات، ولغيرها… وكأن المواطن في لبنان موظف لدى الدولة، بينما الدولة موظفة لدى القرارات!

والقليل من اللبنانيين ما زال يريد دولة حقيقية، دولة قانون ومؤسسات ومحاسبة. أما المستفيدون من الفساد، وأصحاب النفوذ وأتباعهم والمصفقون لهم، فلا يبدو أن الدولة تعني لهم أكثر من غطاءٍ يحمي مصالحهم.

لذلك، يا سادة، قبل أن تنظّموا الشمس، جرّبوا أن تنظّموا الكهرباء. وقبل أن تبحثوا عن رسمٍ جديد على لوحٍ شمسي، اسألوا لماذا اضطر المواطن أصلًا إلى وضعه.

فالشمس لم تطلب منكم شيئًا… والمواطن أيضًا لم يطلب المستحيل.

كل ما يطلبه أن تتركوا له قليلًا من الضوء، بعدما جعلتم حياته جحيمًا وظلامًا.












ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.