آسفون يا "ستّ النعامة!" (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


إنّ الفكرة هنا أعمق مما تبدو عليه في الوهلة الأولى؛ لأن الحكاية ليست عن النعامة وحدها، بل عن الأحكام الجاهزة التي نصدرها على الناس والأشياء من دون أن نفهم ما وراء سلوكهم.
كم من مظلوم في هذه الدنيا لم يرتكب الجريمة التي عوقب بسببها! وكم من بريء التصقت به تهمة لمجرد أن أحدًا لم يفهم ما كان يفعله! ولعلّ النعامة واحدة من أشهر ضحايا سوء الفهم في التاريخ!
منذ سنوات، ونحن نسمع أن النعامة حين تشعر بالخطر تدفن رأسها في الرمل، وكأنها تقول للخطر: «أنا مش شايفتك، إذًا أنت غير موجود!». من هنا، صارت النعامة مضربَ مثل في الجبن والهروب، حتى بات وصف إنسان بأنه «دافن رأسه في الرمل» تهمة لا تحتاج إلى محكمة ولا إلى دليل. لكن يبدو أننا ظلمنا السيدة النعامة ظلمًا بيّنًا!
فالنعامة طائر، نعم، لكنها لا تطير، ولذلك لا تستطيع أن تضع بيضها في وكن فوق شجرة، بل تضعه على الأرض، وتبقى قريبة منه لتحميه. وهنا تبدأ الحكاية التي تجعلنا نخجل قليلًا من سخريتنا القديمة!
حين تخفض النعامة رأسها إلى الأرض، فهي لا تبحث عن مكان تختبئ فيه من الخطر، ولا تحاول أن تقنع نفسها بأن العدو غير موجود؛ إنها، ببساطة، تستخدم حاسّة لديها لمعرفة ما يقترب منها، وتلتقط اهتزازات قد تساعدها في معرفة اتجاه الخطر قبل وصوله. فإذا أدركت أن شيئًا يهدّدها أو يهدّد صغارها، تحرّكت بهم بعيدًا من مصدره. أي أنها لا تهرب من المسؤولية، بل تؤدّي مهمتها كأمّ تعرف أن سلامة صغارها أهم من صورتها أمام الآخرين!
وهنا يبدو أن النعامة لم تكن الغبية التي تخيلناها، بل نحن الذين استعجلنا الحكم عليها. وربما كانت المسكينة، طوال هذه السنوات، تسمعنا نسخر منها وهي تقول في سرّها: «يا جماعة، افهموا الأول وبعدين اتمسخروا»!
المشكلة إذًا ليست في النعامة، بل فينا نحن؛ فنحن كثيرًا ما نرى حركة واحدة، فنحكم على صاحبها، ونسمع كلمة، فنصنع منها حكاية، ونفهم موقفًا على طريقتنا، ثم نوزّع الأحكام كأنّنا نملك الحقيقة كاملة.
فيا ستّ النعامة، باسم كل الذين ظلموكِ وسخروا منك، نقول لك: "آسفون... حقك علينا"! يبدو أنك كنتِ أذكى مما ظنّنا، ونحن الذين دفنّا رؤوسنا في رمال سوء الفهم!




