عندما يصبح الراعي متخلّفًا... وصاحب الكلب مثقفًا! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


منذ طفولتي، لم أقتنع يومًا بفكرة تحويل الحيوانات إلى جزء من أثاث المنزل. كنت أؤمن، وما زلت، بأن لكل مخلوق بيئته التي خلقه الله لها؛ فالسماء للطيور، والماء للأسماك، والطبيعة والحقول والمراعي للحيوانات. أما أن نحبسها بين أربعة جدران ثم نزعم أننا نمنحها حياة أفضل، فذلك أمر يحتاج إلى مراجعة أكثر مما يحتاج إلى تصفيق.
المفارقة التي تستحق التأمل أن المجتمع قلب الموازين رأسًا على عقب. فمن يربي الأغنام أو الماعز أو الأبقار، ويستيقظ مع الفجر ليعتني بها، ويكسب منها رزقه بالحلال، يُنظر إليه أحيانًا على أنه رجل بسيط أو متأخّر، وكأن رائحة الحقل أصبحت تهمة، والعصا التي يحملها الراعي دليل نقص في الثقافة!
في المقابل، فإن من يقتني كلبًا أو قطة في شقته الفاخرة، ويشتري لها الملابس والعطور، ويخصّص لها غرفة وربما عيد ميلاد، يُقدَّم بوصفه إنسانًا راقيًا، متحضّرًا، واسع الأفق، وإن لم يعرف يومًا كيف تُزرع شجرة أو تُحلب شاة أو تُنتج لقمة خبز.
أي منطق هذا الذي جعل الحيوان المنتج أقلّ شأنًا من الحيوان المدلل؟ وأي حضارة تلك التي تحتقر من يطعم الناس، بينما تمجّد من ينفق ثروة على كائن حُرم من بيئته الطبيعية ليعيش في شقة إسمنتية؟
لسنا ضد الرفق بالحيوان، فالرفق به قيمة إنسانية عظيمة، لكن الرفق لا يعني قلب الفطرة، ولا يعني السخرية ممن يعيشون من الأرض وخيراتها. فالراعي الذي يقود قطيعه في المراعي لا يمارس هواية غريبة، بل يؤدّي مهنة من أقدم المهن وأشرفها، وقد عرفها الأنبياء قبل أن يعرف العالم صالونات تزيين الكلاب وفنادق القطط.
المشكلة ليست في تربية كلب أو قطة، بل في نظرتنا المشوّهة للأشياء، حين أصبح المظهر يصنع القيمة، وأصبحت الكلمات الأجنبية تمنح الهيبة، بينما يُنظر إلى التراب والزرع والماشية كأنّها بقايا زمن ينبغي التخلص منه!
حقًا... لم تعد المشكلة في الحيوانات، بل في البشر الذين فقدوا البوصلة، فأصبحوا يقيسون الرقي بعدد أوعية طعام القطط، لا بعدد الأيدي التي تزرع وتحصد وتبني الحياة!




