كيف صنعت "العين" و"الغين" فارق الحضارة؟ (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد الخطيب)


بين العرب والغرب نقطة واحدة في الرسم اللغوي، لكنها في الواقع المعيش تصنع فجوة حضارية شاسعة وعميقة. وضمن الحلقات الثقافية التي ينظّمها صالون أمل خليل في القاهرة بروّاده وأساتذته وكوادره ومثقّفيه... نظّم في مرّة ندوة ثقافية لمناقشة هذا الموضوع القديم المتجدّد الذي يتلخص في السؤال الآتي: "لماذا تقدّم الغرب وتأخّر العرب؟"، وقد كان لي الشرف بأن أدلي بدلوي حول هذه النقطة الفاصلة.
وإذا تأملنا الحرفين لغويًّا، نجد أن الفارق يبدأ من رمزية الكلمتين؛ فحرف العين في لغتنا هو المقلة والبصيرة، ما يفسر طغيان المشاعر والانفعالات الوجدانية لدى العرب. بينما حرف الغين في المعاجم يعني الشجر الكثيف الملتف، وهو ما يجسد طبيعة الغرب العقلانية التي تشبه شبكة الآلات المعقدة والمنظمة. المفارقة التاريخية تكمن في أن تلك "النقطة" الصغيرة حوّلت العرب من أصحاب "عين" وبصيرة حضارية في ماضيهم، إلى العيش تحت "غين" الغيم والعواطف التي حجبت عقولهم، بينما استطاع الغرب بعقلانيته تنظيم "غابة" آلاته وتسيير عجلات زمنه.
"لماذا تقدّم الغرب وتأخر العرب؟". عنوان فضفاض يحتاج إلى كثير من التحليل والدراسة والتعمّق والتشريح... لذا سأسلّط الضوء على ما قد يكون الأسباب الرئيسية التي ساهمت في هذا الأمر من دون الدخول في تفاصيلها. وهنا نستطيع أن نقول أنّ المسألة تبدأ من العائلة النواة للفرد، حيث فقدنا قيم التربية السليمة والصحيحة لزرعها في أبنائنا لتكون نبراسًا لهم في حيواتهم؛ ثم من المدرسة والجامعة، حيث ينحصر همّنا في كيفية تحصيل الطالب درجات عالية لينجح من صفٍّ إلى أعلى من دون النظر إلى أنّ الهدف من تعليم أبنائنا هو بناء عقولهم قبل أجسادهم وشخصياتهم قبل شخوصهم... وصولًا إلى المجتمع الذي بات يصدّر أشخاصًا لا هم لهم في الحياة سوى التلهي والتمتّع بملذاتها، بالتالي يعيشون على هامشها...
فإذا قارنا حاضرنا بماضي الأمة العربية في حقبتها الذهبية، نجد البون واسعًا جدًّا بينهما، إذ كان التركيز على الأمور التي ذكرناها أعلاه، فضلًا عمّا كان يتمتع به العلماء من احترام وتقدير، وعمّا كان يتأمّن لهم من سبل الراحة وإنزالهم منازلهم التي تليق بهم للإبداع والتقدّم... ولم يقتصر الأمر على المسلمين – سنّة وشيعةً – في ذلك العصر، بل كان للمسيحيين واليهود وغيرهم... مساهمات في نشر العلوم كافّة، بعد أن اطّلعوا على الثقافات والحضارات الغابرة – اليونانية والرومانية والهندية والصينية والمصرية... – وهذا دليل على الانفتاح على الآخر واحترامه وتقديره.
لذا، وصلت الأمّة العربية في ذلك العهد إلى أوج ازدهارها وتربّعت على عرش الحضارة والرقي فترة ليست بقليلة، وفرضت احترامها على الأمم كلها.
إضافة إلى ما ورد أعلاه، نورد أمرًا نراه في غاية الأهمية، وهو أن الغرب عقلاني يستطيع الفصل بين انفعالاته وآرائه في الحياة عمومًا... والعرب عاطفيون أكثر منهم عقلانيين، يخلطون انفعالاتهم ومشاعرهم بأفكارهم، فنراهم غير موضوعيين وبعيدين من المنطق السليم.
بناء عليه، فلنأخذ من الطرفين ما هو مفيدٌ لنا، فلا نعتمد على عقولنا كالغرب ونصبح مجرّد آلات تسيّرها عجلات الزمن، ولا نكون عاطفيين إلى أقصى الحدود كالعرب ونعطّل عقولنا عن التفكير. فلنكن عاطفيين حيث يجب، وعقلانيين حيث تقتضي الضرورة!
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




