Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

الحاكم الذي يطلب الصبر ويمنع القصعة! (سلسلة "هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
16 يوليو 2026 | 10:07 م
مقالة وليد الحاكم الذي يطالب المواطنين الفقراء بالصبر - سنيب

في بعض الأوطان، لا يحتاج الحاكم الفاسد إلى بناء السجون الكبيرة، فقد يكتفي ببناء فكرة صغيرة داخل عقول الناس: "اصبروا"! كلمة سحرية تختصر كل شيء؛ لا كهرباء؟ اصبروا. لا دواء؟ اصبروا. لا فرص عمل؟ اصبروا. لا عدالة؟ اصبروا أكثر... فربما تنتهي مشاكل الدنيا بعد أن تنتهي أعمار أصحابها!

إن أعظم اختراعات السياسة تحويل المعاناة فضيلة، وتحويل الفشل امتحانًا، وتحويل المواطن من صاحب حق إلى متسابق في بطولة التحمُّل. فبدل أن يسأل الناس أين ذهبت أموالهم؟ ولماذا تعطلت مؤسساتهم؟ يصبح السؤال كم بقي لدينا من قدرة على الصبر؟

الحاكم الفاسد لا يخشى شعبًا جائعًا بقدر ما يخشى شعبًا يعرف سبب جوعه. فالجوع وحده قد يجعل الإنسان يبحث عن لقمة، أما الوعي فيجعله يبحث عن المسؤول. لهذا، تصبح المعركة الحقيقية ليست على الخبز وحسب، بل على العقل الذي يسأل لماذا غاب الخبز أصلًا؟

لقد فهم المستبدّون منذ القدم أن السيطرة على الإنسان لا تكون دائمًا بالقوة، بل أحيانًا بصناعة الوهم. وهذا ما أشار إليه عبد الرحمن الكواكبي حين كشف في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد كيف يحتاج الاستبداد إلى تعطيل الوعي قبل تعطيل الحريات. فالمستبد لا يريد مواطنًا حرًّا يعرف حقوقه، بل مواطنًا يظنّ أن المطالبة بحقه نوع من التمرّد.

وكم هو مدهش ذلك المشهد المتكرّر في بعض البلدان، مسؤول يعيش في عالم مختلف، ثم يطلب من مواطن يبحث عن أبسط مقومات الحياة أن يتحلّى بالصبر! كأن الصبر حقيبة إنقاذ تُوزَّع على الناس بدل الخدمات. وكأن الدولة اخترعت اقتصادًا جديدًا، لا إنتاج، لا إصلاح، لا محاسبة... ومزيد من الصبر!

وفي لبنان، حيث اعتاد الناس مفاجآت لا تنتهي، تحوّلت الأزمات أحيانًا جزءًا من الروتين اليومي. مواطن ينتظر الكهرباء، ويبحث عن دواء، ويقلق على مستقبل أولاده، ثم يسمع من يطالبه بالتفاؤل والتحمُّل وقد قال رئيس حكومة لبنانية سابق معروف بثرائه الفاحش، في عزّ أزمة سرقة أموال اللبنانيين: "بدنا نتحمّل بعض"... وكأن المطلوب من المواطن ليس أن يطالب بحياة كريمة، بل أن يشكر الظروف لأنها منحته فرصة اختبار صبره وإيمانه وشدّة تديّنه!

إنّ المشكلة ليست في الدين، فالدين الذي يدعو إلى العدل والرحمة لا يمكن أن يكون غطاءً للظلم. المشكلة في من يجعل السماء ذريعة للهروب من مسؤولية الأرض، وفي من يريد من الناس أن يرفعوا أيديهم بالدعاء بينما هو يرفع يده لتوقيع قرارات تزيد أعباءهم.

قال جون لوك إن السلطة تستمد مشروعيتها من حماية حقوق الناس، لا من استغلال ضعفهم. أما السلطة التي تطلب من الناس أن يصبروا بلا نهاية، فهي لا تحكمهم وحسب... بل تختبر حدود قدرتهم على الاحتمال. إنّ التاريخ يعلّمنا أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى. وقد تسكت كثيرًا، لكنها لا تفقد ذاكرتها. فالجوع قد يُسكت المعدة، لكنه لا يستطيع إسكات العقل إلى الأبد.

والحاكم الذي يظن أن الشعب سيبقى منشغلًا بعدّ أيام الصبر، قد يكتشف متأخرًا أن الشعوب لا تعدّ الأيام وحسب... بل تعدّ الحساب أيضًا!










ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.