الدولة التي أكلها تحالف الدِّين اللبناني والفساد (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


ثمّة دول لا تحتاج إلى حربٍ كي تنهار، ولا إلى زلزالٍ سياسيٍّ يطيح بها دفعةً واحدة. يكفيها وحسب أن تُصاب بذلك المرض المزمن الذي يبدأ خفيفًا، كرشحٍ إداريٍّ عابر، ثم يتحوّل مع الوقت إلى شللٍ كامل في الأطراف، قبل أن يكتشف الجميع أنّ "المريض كان يحتضر منذ سنوات"... لكنْ لم ينتبه أحد للأمر، لأن التقارير الرسمية كانت تؤكد أنّه "بخير والحمد لله".
فالدول لا تسقط عادةً بصوتٍ مدوٍّ، بل تتفكك بهدوءٍ بيروقراطيٍّ قاتل، يشبه صوت ختمٍ رسميٍّ على معاملة ناقصة. وأول الخطايا التي تكسر ظهر الدولة: تجويف العدالة.
حين تصبح القوانين مثل قوائم الطعام في المطاعم: يختار القوي منها ما يعجبه، بينما يُجبر الضعيف على تناول الطبق كاملًا، بما فيه الشوكة – وهذا ما عشناه في لبنان وما زلنا نتيجة تحالف النفوذ المصبوغ بصبغة دينية مع الفساد - هنا يفقد الناس احترامهم للقانون، لا خوفهم منه وحسْب. فالمواطن قد يتحمّل القسوة أحيانًا، لكنه لا يحتمل الشعور بأن العدالة تعمل بنظام الاشتراك الشهري: خدمة ممتازة للأقوياء، ونسخة تجريبية للباقين.
ثم تأتي خطيئة تأكّل الكفاءة، حين يصبح معيار التوظيف في المؤسسات: "هل الطاعة موجودة؟" لا "هل القدرة متوفّرة؟". وهنا تبدأ المأساة الصامتة. تُدار المؤسسات بعقولٍ تحفظ التعليمات أكثر مما تفهم الواقع، وتصبح القرارات أشبه بمحاولة إصلاح طائرة عبر قراءة كتيّب غسالة أو برّاد أو... والأسوأ أنّ الفاشل لا يُحاسَب، بل يُرقّى أحيانًا، لأن الكفاءة في بعض الإدارات تُعتبر سلوكًا عدائيًّا يهدد استقرار الرداءة.
أما الكارثة الأكثر طرافةً وحزنًا معًا، فهي انفصال السلطة عن الواقع. ثمّة مسؤول دائمًا يعتقد أنّ الناس بخير لأن تقريرًا مطبوعًا على ورق فاخر أخبره بذلك. يعيش بعض أصحاب القرار داخل فقاعةٍ محكمة الإغلاق، لا يدخلها ضجيج الشارع ولا رائحة الأزمات. تُصاغ السياسات في المكاتب المكيفة، ثم تُرمى إلى الناس كما تُرمى وصفة طبخ على شخصٍ لا يملك ثمن الخبز أصلًا. وحين تفشل تلك السياسات، لا يسأل أحد لماذا فشلت؟ بل لماذا لم يفهمها الشعب؟
لكن الخطيئة الأخطر تبقى تطبيع الفساد الصغير؛ ذلك الفساد الذي يقدَّم للناس بوصفه "شغلة بسيطة"، أو "مشِّها هالمرة"، أو "كل الناس بتعمل هيك". الرشوة الصغيرة، الواسطة العابرة، المعاملة التي تحتاج إلى "فنجان قهوة"، والحق الذي يتأجل حتى إشعارٍ آخر. المشكلة أنّ هذا النوع من الفساد لا يبدو مرعبًا في البداية، بل يبدو لطيفًا واجتماعيًّا، كأنه جزء من التراث الشعبي. لكنه مع الوقت يتحول إلى ثقافة عامة، وحين يصبح الفساد عاديًّا، يصبح الشريف هو الاستثناء المريب.
من هنا، نرى أنّ الدول لا تنهار حين تضعف جيوشها وحسب، بل حين تتأكّل قواعدها الداخلية ببطء. حين تصبح العدالة انتقائية، والكفاءة عبئًا، والواقع مجرد شائعة، والفساد أسلوب حياة. عندئذٍ لا يُسمع دويّ الانهيار فورًا... بل يُرى أثره لاحقًا، عندما يصبح الإصلاح نفسه مشروعًا أثريًّا، يحتاج إلى بعثة تنقيب لا إلى حكومة.
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




