إعلام التهويل واغتيال الطمأنينة


في حربٍ لم تضع أوزارها بعد، عاد سكان الضاحية الجنوبية وأهالي الجنوب إلى المناطق التي لم تعد ضمن مرمى الاعتداءات الإسرائيلية، أو تلك التي لا تزال بعيدة عن سيطرة الاحتلال. إلا أنّ هذه العودة لم تُعِد إليهم الطمأنينة؛ فارتباط الملف اللبناني بالمفاوضات الإقليمية والدولية ــ رغم جزم جهات لبنانية بفصله عنها ــ أبقى المواطن اللبناني أسير التطورات المتسارعة التي قد تحدد مصيره بين البقاء في منزله، أو تذوق مرارة التهجير مجدداً.
وخلال الأيام الماضية، عاش لبنان حالةً من القلق والذعر، غذّاها سيلٌ من التحليلات السياسية التي غزت الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. إذ برز من يقدّم نفسه خبيراً وفقيهاً في الشؤون السياسية والإقليمية، مطلقاً توقعات متشائمة لا تستند ــ في كثير من الأحيان ــ إلى معطيات موثوقة، مما ينعكس سلباً على المواطن الذي بات يترقب مصيره بين خبرٍ عاجل وتحليلٍ يفتقر إلى اليقين.
يعود ذلك، في بعض الحالات، إلى غياب المعايير الأخلاقية لدى بعض المحللين الذين يُغلّبون الإثارة على المسؤولية، ويتجاهلون الأثر النفسي الذي تتركه تحليلاتهم في نفوس المتابعين؛ سعياً وراء الشهرة أو تحقيق مكاسب مادية. والأسوأ من ذلك، أن بعض هذه التحليلات لا يقوم على وقائع مفصلية، بل على اجتهادات وآراء شخصية تُقدَّم للرأي العام وكأنها حقائق لا تقبل النقاش.
وقد تمددت هذه الظاهرة بشكل لافت إلى منصة "تيك توك"، حيث برزت أسماء كثيرة تطلق على نفسها صفة "محلل سياسي"، رغم افتقار أصحابها إلى التأهيل الأكاديمي أو الخبرة المهنية التي تخولهم ممارسة هذا الدور. فحرية التعبير حق مشروع، لكنها لا تعني بأي حال من الأحوال أن يتحول كل صاحب منصة إلى مرجع في القضايا المصيرية التي تمس أمن المجتمع واستقراره.
وفي المقابل، لا تقع المسؤولية على عاتق صانع المحتوى وحده، بل يتحمل المتابع جزءاً منها؛ إذ ينبغي أن يتحلى بوعيٍ يدفعه إلى التساؤل قبل التسليم بأي تحليل يُنشر: من هو هذا المحلل؟ ما هي خلفيته العلمية والمهنية؟ وما الذي يؤهله لتقديم قراءة سياسية قد تؤثر في الرأي العام؟
إن طرح هذه الأسئلة هو الخطوة الأولى نحو حماية الوعي من التضليل، وتجنب الوقوع في فخ التهويل النفسي.
ختاماً، يمكن لقانون الإعلام اللبناني والجهات المختصة أن يسهما في الحد من هذه الظاهرة، من خلال سنّ تشريعات تنظم الإعلام الإلكتروني، وتضع ضوابط واضحة لممارسة التحليل السياسي عبر المنصات الرقمية، بما يحفظ المهنية ويحد من الفوضى. فالأمن النفسي والاجتماعي للمواطن ليس تفصيلاً هامشياً، بل مسؤولية وطنية لا يجوز التغاضي عنها؛ لأن استقرار المجتمع يبدأ من طمأنينة المواطن، والإعلام المسؤول هو الحارس الأول لهذه الطمأنينة، لا من يبددها.
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




