تيتي تيتي... مثل ما رحتِ مثل ما جيتِ! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


كثيرًا ما يشاركنا القراء اقتراحات لموضوعات يرغبون في أن نتناولها في سلسلة "من هنا... وهناك"، وهذا التفاعل الجميل موضع تقدير وامتنان. واليوم، أنزل عند رغبة الصديق العزيز عزت ناصيف، أحد القراء المتابعين، الذي اقترح أن نتوقف عند مثل شعبي شائع: "تيتي تيتي... مثل ما رحتِ مثل ما جيتِ".
يُقال هذا المثل عندما نبذل جهدًا، ونعبر مسافات، وننفق الوقت والمال، ثم نعود إلى نقطة البداية، كأننا لم نفعل شيئًا. نذهب محمّلين بالآمال، ونعود بخفَّي حنين، فيما الإنجاز الوحيد هو زيادة عدد الخطوات التي مشيناها!
أما أصل المثل، فتتعدد الروايات المتداولة بشأنه. أشهرها رواية تربطه بباصات في بغداد كانت تحمل الحرف الإنكليزي "T" مكرّرًا "TT"، ويُقال أن الناس ربطوا بين ذهابها وإيابها وبين العبارة التي صارت مثلًا شعبيًّا، أي أنها تعود كما ذهبت. وتروي حكاية أخرى قصة نجار وزوجته "تيتي"، عملا طويلًا في صنع كرسي فاخر للملك، لكنهما عادا من دون مكافأة توازي تعبهما. غير أن هاتين الروايتين تحتاجان إلى توثيق تاريخي يحسم صلتهما بنشأة المثل.
لكن، ماذا لو أسقطنا هذا المثل على الواقع اللبناني؟ أليس في أحوالنا ما يجعله أكثر من مجرد عبارة شعبية؟
منذ عقود، تتغير الحكومات، وتتبدل الوجوه، وتتوالى الانتخابات والوعود، فيما المواطن يراوح مكانه، بل يتراجع أحيانًا إلى ما دون نقطة البداية. انتظر الكهرباء، فاشترك في مولّد خاص؛ وانتظر المياه، فاشترى صهريجًا تلوَ صهريج؛ وانتظر الطبابة والتعليم وفرص العمل، فوجد نفسه مضطرًّا إلى دفع أثمانها من جيبه، بعدما دفع الضرائب التي يفترض أن تموّلها.
أما الإصلاح، فيبدو أحيانًا كضيف طال انتظاره، كلما قيل وصل، اكتشفنا أنه لا يزال في الطريق! وتتعاقب خطط الإنقاذ، حتى يكاد المواطن يحتاج إلى خطة تنقذه من خطط الإنقاذ نفسها.
المضحك المبكي أن اللبناني يذهب إلى الانتخابات على أمل التغيير، ثم يعود ليسأل عن الكهرباء والرواتب والودائع والخدمات. تتغير الشعارات، وتتجدد الوعود، وتبقى الأزمات، فيما تتراكم الأعباء ويضيق هامش الاحتمال.
وهكذا، لا يعود المثل وصفًا لشخص عاد من مشوار خالي الوفاض، بل يصبح مرآة لوطن أنهكته الوعود المؤجلة. والفارق أن المواطن اللبناني لا يعود إلى نقطة البداية كما ذهب؛ إنه يعود غالبًا محمّلًا بمزيد من الديون والهموم.
فإلى متى يبقى لبنان يدور في الحلقة نفسها؟ ومتى نذهب إلى موعد مع التغيير ونعود وقد تغيّر شيء بالفعل؟
تيتي تيتي... مثل ما رحتِ مثل ما جيتِ!




