ما بيننا لا يُحكى (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم تكن تعلم أن بعض الأماكن لا نختارها صدفة، وأننا لا نعود إليها لأننا نريد ذلك، بل لأن شيئًا في داخلنا لا يزال عالقًا هناك.
كانت قد أقنعت نفسها لسنوات بأنها تجاوزت كل شيء. أقنعت قلبها بأن الماضي انتهى، وأن بعض الأشخاص لا يعودون مهما طال الانتظار.
ومع ذلك، وجدت نفسها تخطو نحو ذاك المكان، بين واقع وخيال، حيث الوعد الذي لم يُوفَ به، والذكرى التي لم تستطع دفنها مهما حاولت.
كان المكان كما تركته؛ يضج بأصوات الوعود، وتلك الابتسامات التي بدت يومًا صادقة، وبقايا لمساتٍ تشبه الورد في نعومتها، لكنها تركت في القلب شوكًا لا يُنتزع.
وقفت للحظات، تحدّق في المكان بصمت، ثم أغمضت عينيها. عادت إليها تلك الليلة، بكل تفاصيلها الصغيرة التي ظنّت أنها نسيتها؛ صوته وهو يناديها، ارتباكها حين التقت عيناه بعينيها، واللحظة التي شعرت فيها، للمرة الأولى، أن قلبها اختار قبل أن يمنحه عقلها الإذن.
تذكرت وعده الأخير، ذلك الوعد الذي قاله بثقة جعلتها تصدّق أن بعض الوعود تُكتب على القلب ولا تموت.
"لن أكون لغيرك يومًا..."
كم كانت ساذجة حين صدّقته، وحين ظنّت أن الكلمات التي خرجت من قلبه ستبقى حارسةً لوعده، مهما تبدّلت الأيام وتغيّرت الظروف.
صدّقته لأنها أحبته، ولأنها لم تكن تعرف آنذاك أن الحب يجعلنا نرى فيمن نحب الصورة التي نتمنى أن يكون عليها، لا الصورة التي هو عليها حقًا.
"لن أكون لغيرك يومًا..."
كم مرة تمنت لو أنها لم تسمعها.
فلو أنه لم يقلها، ربما لم تكن تمضي وقتًا وهي تبحث عن تفسير لخذلانه، ولا عاشت كل تلك الليالي وهي تسأل نفسها إن كان ما بينهما حبًا حقيقيًا أم مجرد وهمٍ جميل صدّقته وحدها.
كانت المشكلة أنها لم تخسر رجلًا أحبته فقط... بل خسرت النسخة التي كانت عليها حين أحبته.
نظرت إلى المكان طويلًا، ثم ابتسمت للذكرى كمن يودّع شيئًا عزيزًا دون أن يكرهه.
ثم مضت...
هذه المرة، لم يكن الرحيل منه؛ كان الرحيل من كل ما كانت تظنه يومًا وطنًا. ومع أول خطوة ابتعدت بها، شعرت أن شيئًا في قلبها قد تحرر أخيرًا.
ومضت، تحمل في قلبها ذكرى لن تكرهها، ووعدًا لن تصدقه مرة أخرى.
أما هو، فبقي هناك... في المكان الذي بدأ فيه كل شيء، وفي الحكاية التي انتهت دون أن يعرف أحد كيف بدأت.
لأن بعض العلاقات لا تحتاج إلى نهاية تُروى، ولا إلى كلمات تشرح ما حدث...
يكفي أن تبقى في القلب، حيث لا يستطيع أحد أن يسأل عنها.
فما بيننا... كان أجمل من أن يُنسى، وأوجع من أن يُحكى.




