Contact Us
Ektisadi.com
أدب

متى وقعت في الحب؟ (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
2 يوليو 2026 | 04:23 ص
مقالة فدى الحاج عن الوقوع في الحب

لم أكن أؤمن أن للحب لحظة واضحة يمكن أن يتذكرها المرء بدقة! كنت أظنه يتسلل إلينا كما يتسلل ضوء الفجر الذي لا نلحظ بدايته، أو ندرك حضوره إلا عندما يصبح النهار كاملًا، وتلامس الشمس وجوهنا بدفئها.

عرفت الإجابة في يوم عادي جدًّا. وربما لهذا السبب كان مختلفًا.   

كان الصباح حارًّا، والشوارع أكثر ازدحامًا من المعتاد، والناس يركضون كأنهم متأخرون عن مواعيد لا تحتمل التأجيل.

وقفت مستغربة مما يدور حولي!

لم أكن أعلم أن بعض الطرق لا تبدأ بعد إشارة المرور، بل بعد شخص يعبرها معك، وإن لم يتحدث.

رأيته أول مرة ذلك الصباح. لم يحدث شيء يستحق أن يُروى؛ لم تصطدم أعيننا طويلًا، ولم أكن أتعثر وسارع إلى مساعدتي كما في الروايات. عبر الشارع، ثم اختفى بين الناس، بينما أكملت طريقي وأنا أعتقد أنني لن أراه مجددًا.

لكن المدينة كانت أصغر مما تخيلت.

صرت أراه في أماكن لم أتوقع أن تجمعنا...

عند إشارة المرور، على ناصية الشارع، وأحيانًا في المقهى الذي اعتدت الهرب إليه كلما ضاق يومي.

لم تكن لقاءاتنا كثيرة، لكنها كانت كافية لأن يتحول وجوده إلى جزء مألوف من  أيامي.

بدأ الأمر بتحية عابرة، ثم حديث قصير عن كتاب أو عن حال المطر الذي تنتظره الأغصان لتزهر.

لم نتعمد الاقتراب، لكنه حدث بهدوء، كما يحدث كل شيء صادق.

وذات مساء، بينما كنا تغادر المقهى، سألني مبتسمًا: "هل تؤمنين بالمصادفات؟".

نظرت إليه بهدوء وقلت: "أصبحت أؤمن أن بعض المصادفات تعرف طريقها إلينا أكثر مما نعرف نحن طريقنا إليها"!

ابتسم في وجهي ولم يعلق.

ثم تابعنا المسير بخطوات بطيئة، توقف فجأة وقال: أتعرفين؟ كنت أتمنى لو سبقتني بالسؤال!

نظرت إليه باستغراب، لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة، ثم ودعني ومضى.

وقفت أراقب خطواته تبتعد، وأدركت أن ثمّة كلمات لا تتأخر لأنها صعبة، بل لأنها تأتي بعد أن يكون القلب قد قالها بصمت منذ وقت طويل.

عندئذٍ فقط، عرفت متى وقعت في الحب!

لم يكن في ذلك الصباح الذي رأيته فيه أول مرة، ولا في أول حديث جمعنا، بل في اللحظة التي شعرت بأن رحيله سيأخذ معه شيئًا مني، لم أكن أعلم أنه أصبح له!