تحوّلات الأبوّة المعاصرة... هل يتقاعس الأدب عن مواكبة الواقع ومنح الأب حقّه؟

تشهد أدوار الآباء في القرن الحادي والعشرين تحولاً جذرياً، حيث بات الآباء أكثر انخراطاً ومشاركة في تربية الأبناء من أي وقت مضى. ومع ذلك، لا يزال الجزء الأكبر من الأدب الموجه للرجال حول الأبوة محاصراً في مفاهيم عفا عليها الزمن، مقدماً صوراً نمطية لأباء مرتبكين أو مستعدين لخوض "معركة" الأبوة، بدلاً من الاحتفاء بكونها تجربة حياتية عميقة ومجزية.
تُظهر نظرة سريعة على أرفف كتب الأبوة في المكتبات هيمنة عناوين مثل "دليل البقاء" أو "التدريب الأساسي للمجندين الجدد"، والتي تقدم الأبوة كعبء يجب تحمله. هذه الكتب، كما أفادت بلومبيرغ، غالباً ما تصور الأب بشكل سلبي، كسبب للمشاكل لا حل لها. وتعكس هذه الرؤية المتخلفة أيضاً الضغوط المجتمعية؛ فقد أظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث عام 2017 أن 76% من البالغين في الولايات المتحدة يرون أن الرجال يواجهون ضغوطاً مالية كبيرة لإعالة أسرهم، بينما يعتقد نصفهم فقط أن الرجال يواجهون نفس القدر من الضغط ليكونوا آباء أكثر مشاركة.
وعلى النقيض من هذه الصورة النمطية، فإن واقع الأبوة الحديثة مختلف تماماً. فالآباء اليوم يقضون وقتاً مع أطفالهم يعادل أربعة أضعاف الوقت الذي قضاه أجدادهم، ويُرجّح أن يكونوا آباء مقيمين في المنزل بضعف احتمالية آبائهم. إنهم يشاركون بشكل متزايد في التحديات اليومية، مثل الحرمان من النوم وضغوط أن يكونوا آباء مثاليين وموظفين منتجين، وهي أعباء كانت الأمهات تتحملها وحدها لقرون.
يبرز التباين بشكل أوضح عند مقارنة أدب الأبوة بأدب الأمومة الغني والمتنوّع. فبينما يقدم رف الأمومة دليلاً شاملاً من الكتيبات العملية والمذكرات الشخصية والدراسات القائمة على البيانات، مثل كتاب "ماذا تتوقعين عندما تتوقعين" الذي بيعت منه 24 مليون نسخة بحلول عام 2024، وكتاب "توقع أفضل" لإيميلي أوستر الذي يحلل الأبحاث الطبية لمساعدة الأمهات، فإن أدب الأبوة يفتقر إلى هذا العمق والتنوع. حتى في أسوأ حالاتها، تتعامل كتب الأمومة مع الأمومة بجدية بالغة، واصفة إياها بأنها "أهم وظيفة في العالم"، وهو ما يتناقض مع النبرة السطحية والساخرة أحياناً الموجهة للآباء.
على الرغم من وجود بعض الأعمال الرائدة مثل كتاب "الأب المنتظر" لأرمين بروت، الذي نُشر لأول مرة عام 1995 وبيع منه 1.5 مليون نسخة، والذي وصفته مجلة تايم بـ"الأب الخارق للآباء الخارقين"، إلا أن هذه الأعمال تمثل استثناءً وليست القاعدة. غالباً ما يبرر الناشرون قلة كتب الأبوة بالاعتقاد بأن "الآباء لا يقرؤون"، متجاهلين أن المشكلة قد تكمن في طبيعة المحتوى المقدم، وليس في رغبة الآباء بالقراءة.
لحسن الحظ، بدأت تظهر أعمال أدبية تتناول الأبوة بعمق أكبر، وإن كانت غالباً لا توجد في قسم كتب الأبوة التقليدي. تتضمن هذه الأعمال مذكرات ومجموعات مقالات تقدم رؤى صادقة حول التجربة الأبوية المعقدة. فكتاب "بين العالم وبيني" لتا-نهيسي كوتس، الموجه لابنه المراهق، يعكس غضبه وقلقه كأب أسود في الولايات المتحدة. ومذكرات الكوميدي روب ديلاني "قلب يعمل"، تحكي قصة ولادة ابنه هنري ووفاته المبكرة، وكيف يمكن للوالد أن يتعايش مع الحزن.
لقد استكشف مايكل تشابون في مجموعته المقالية "آباء" التوتر بين كونه أباً وكاتباً، مشيراً إلى أن كتبه، على عكس أطفاله، "لا تحبني بالمقابل". ولعل أبرز مثال على تناول الأبوة بجدية هو سلسلة "كفاحي" المكونة من ستة مجلدات للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد. فقد أمضى آلاف الصفحات في استكشاف تفاصيل الأبوة اليومية، مثل غسل الأطباق وتغيير الحفاضات، محولاً الملل والروتين إلى فن. هذا النهج جعله ظاهرة أدبية في النرويج، حيث بيعت منه نصف مليون نسخة، لأنه أظهر للآباء أن تجربتهم اليومية، بكل تفاصيلها غير الجذابة، تستحق أن تؤخذ على محمل الجد.
تؤكد هذه الأعمال الأدبية أن هناك تعطشاً عميقاً لروايات أبوية حقيقية ومحترمة. يتوجب على صناعة النشر أن تدرك أن الآباء المعاصرين يبحثون عن أكثر من مجرد "نصائح للنجاة"؛ إنهم يبحثون عن قصص تعكس الرحلة الشاقة والتحولية والمجزية للغاية لتربية طفل في القرن الحادي والعشرين.




