Contact Us
Ektisadi.com
أدب

عندما يفتقد الاحتواء (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
16 يوليو 2026 | 04:41 ص
فتاة تنظر إلى قطار راحل - سنيب

كانت معه دائمًا، تُصغي إلى صمته العميق، وتسمع أنين ما يجتاحه من التعب. كانت تُحيطه بحضورها، كأنها غلاف دافئ لروحه المتشرذمة.

لكن، في يومٍ ما، قرر الانسحاب بهدوء، دون أي إنذار.

هي التي كانت تنتظره لتعيد إليه ما فاتها من اللقاء، شعرت بصوت خافت في داخلها يناديها: تمهّلي، فليس هناك موعد بعد الآن.

مرت الساعات وهي تُحدّق في هاتفها، مترقبةً تلك الرسالة التي لم تصل، كأنه أراد أن يخبرها بأنه اختار أن يعيش برده وحده. لم تفهم إن كان يريد البعد، أم أنه يخشى حرارة اللقاء.

أطفأت نور الغرفة، وجلست في صمت، تحاول تبرير غيابه، مقنعةً نفسها بأن التعب أثقله، وأن البعد هذه المرة لم يكن فراقًا، بل استراحة قلبٍ مُرهق.

عادت إلى سريرها، تتفقد رسالته الأخيرة، وتتلمس أحرفها كمن يمر على جرح قديم. ابتسمت والدموع تتلألأ في مقلتيها، والحزن يعتصر قلبها. حينها أدركت أنه لن يعود، حتى لو انتظرته طويلًا.

رفعت رأسها، ومدّت يدها نحو القلم، ثم خطّت اسمه على ورقة بيضاء، ووضعت تحته ألف خط، لتؤكد أن ما فعله كان متعمدًا، وأن احتواءها له كان حبًا لم يعد يجدي نفعًا.

مشت بخطوات هادئة، وشعرت بنسيم مرّ على وجنتيها، كأنه يواسيها بصمته.

في لحظة صفاء، أدركت أنها لم تعد في حاجة إلى رسالة، ولا إلى أي وعد مؤجل، فمن يرحل لا يأخذنا معه، بل يترك فينا مساحات فارغة، نتعلم لاحقًا كيف نملؤها بأنفسنا.

ابتسمت لنفسها في المرآة، وهمست في سرها:

كل ما فعلته ليس ندمًا، والقطار سيعود إلى محطته من جديد، لكنه لن يجد الوقود.