بين "تَقَعْقُعِ" القِيم و"اطْلِخْمامِ" السرعة (من سلسلة "هنا... وهناك" لوليد حسين الخطيب)


يبدو أنّ العالم اليوم تغيّر فجأة من حالٍ جيدة إلى حالٍ سيئة، وكأن شيئًا انكسر في لحظة غير متوقّعة. لكنّ هذا الانطباع، رغم قوته، لا يطابق الحقيقة بالكامل. فالعالم لم يتحوّل بين ليلة وضحاها، بل كان يتأكّل ببطء تحت طبقات من اللمعان، حتى جاءت التكنولوجيا فرفعت الغطاء، وكشفت التسارع الذي كان يحدث في العمق في صمت طويل.
في الماضي، كانت الأخطاء تحتاج إلى وقت كي تنتشر؛ خبرٌ يجتاز قرية قبل أن يصل إلى مدينة، وفكرةٌ تستغرق سنوات كي تعبر حدودًا. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد تمامًا: فكرة واحدة، مهما كانت سطحية أو حتى زائفة، تستطيع أن تعبر القارات في ثوانٍ، وأن تتزيّن بثوب الحقيقة قبل أن يلحق بها الصدق أصلًا. الكذب لم يعد يحتاج إلى جهد كي ينتشر، بل أصبح يجد له طريقًا أسرع من الضوء، فقط لأنه يُعرض بشكل جذاب وسريع.
نحن نعيش عصر السرعة بكل ما فيه: وجبات سريعة، علاقات سريعة، شهرة سريعة، وحتى الغضب والكراهية والاستهلاك صارت لحظية. الإنسان في هذا الإيقاع المتسارع يفقد تدرّجًا واحدة من أهم ملكاته: التأمل. فمن دون التأمل، يتحول البشر إلى كائنات تفاعلية، أشبه بردود أفعال تمشي على قدمين، تستجيب قبل أن تفكر، وتغضب قبل أن تفهم، وتُصدّق قبل أن تتأكّد.
مع ذلك، فإن القول بأن العالم أصبح "أسوأ بالكامل" ليس دقيقًا. فإلى جانب هذا الاضطراب، ثمّة تطور طبي وتقني ومعرفي هائل لم تعرفه البشرية من قبل. لقد امتلك الإنسان أدواتٍ مذهلة غيّرت شكل الحياة، وفتحت آفاقًا لم تكن ممكنة للأجيال السابقة، من علاج الأمراض إلى تسريع التواصل وتوسيع المعرفة.
لكن المشكلة العميقة ليست في الأدوات ذاتها، بل في الفجوة التي نشأت بين تقدّم الإنسان في التقنية وتقدّمه في الحكمة. لقد ركضنا بسرعة نحو امتلاك القوة، لكننا لم نركض بالسرعة نفسها نحو فهم كيف نستخدمها. وهنا ظهر ذلك التوتر القديم بين العلم والفلسفة؛ حيث اتهم بعض الفلاسفة العلم بأنه، حين يُترك بلا بوصلة أخلاقية، قد يساهم في إنتاج أدوات تدمير أكثر مما يساهم في بناء الإنسان.
إن ما نعيشه اليوم هو مفارقة واضحة: إنسان يملك قوة هائلة لم يسبق لها مثيل، لكنه في كثير من الأحيان يعاني من قلب مرهق، وعقل مشتت، وروح جائعة للمعنى. تقدّم خارجي مذهل يقابله فراغ داخلي يتسع بصمت كل يوم، وكأن السرعة التي نركض بها نحو المستقبل تبتعد بنا من أنفسنا أيضًا.
التَقَعْقُعِ: تخلخل حال الشيء وتغيّره من التماسك والصلابة إلى الاضطراب والضعف.
الِاطْلِخْمَام: اشتداد الأمر وتفاقمه وتغير الحال من الرخاء إلى الضيق الشديد (يُقال: اطلخمّ الأمرُ أي عظم).




