Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

عيد العمّال في زمن الانهيار... بأية حال عُدت؟

1 مايو 2026 | 05:40 ص
عيد العمال2 - سنيب

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ

في هذا البيت الذي نظمه الشاعر العبّاسي أبو فراس الحمداني والذي استوقف الذاكرة العربية طويلاً، لا يبدو العيد مناسبةً للفرح بقدر ما يتحوّل أحياناً إلى سؤالٍ مفتوح عن حال الإنسان نفسه، وعن موقعه في عالمٍ تتداخل فيه الأزمات بالفرص، والأمل بالخيبة. وفي الأول من أيار/مايو من كل عام، يقف عيد العمال ليعيد طرح السؤال ذاته ولكن بلغةٍ أكثر صراحة: كيف يعيش العامل اليوم؟ وما الذي تغيّر فعلاً في حياته وسط عالمٍ يزداد قسوةً وتسارعاً؟

عيد العمال ليس مناسبة احتفالية عابرة، بل هو يوم عالمي خرج من رحم النضال النقابي في أواخر القرن التاسع عشر، حين خرج عمال في الولايات المتحدة للمطالبة بساعات عمل أقل وحقوق أكثر عدلاً، قبل أن يتحوّل هذا التاريخ إلى رمزٍ عالمي للطبقة العاملة في مختلف القارات. لكن بعد أكثر من قرن على ذلك، لا تزال الأسئلة الأساسية نفسها مطروحة، وإن تغيّرت أشكالها وحدّتها.

في دول كثيرة حول العالم، ما زال العامل يقاتل من أجل الحد الأدنى من الحقوق: أجرٍ يكفيه العيش، ضمانٍ اجتماعي يحميه من المرض والشيخوخة، وبيئة عملٍ تحفظ كرامته. غير أن هذه المطالب البسيطة تتحوّل في مناطق النزاع إلى رفاهية بعيدة المنال. فالحروب والصراعات لا تكتفي بتدمير البنى التحتية، بل تُعيد تشكيل حياة الناس اليومية، وتضع العامل في مواجهة مباشرة مع البطالة القسرية وانهيار العمل المنظم، وغياب الحماية القانونية.

في العالم العربي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. ففي دولٍ أنهكتها الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب، يصبح العامل الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الانهيارات. في لبنان، على سبيل المثال، حيث تتشابك الأزمة الاقتصادية مع الاستقرار الهش وموجة النزوح الهائلة، وجد آلاف العمال أنفسهم أمام واقع جديد: تآكل في قيمة الأجور، انهيار في القدرة الشرائية، وانعدام شبه كامل للأمان الوظيفي. لم تعد المشكلة فقط في إيجاد فرصة عمل، بل في الحفاظ عليها، وفي القدرة على الصمود أمام موجات الغلاء والتضخم المتسارعة.

وفي بلدان عربية أخرى تعيش نزاعات مفتوحة أو آثارها، يتحول العامل أحياناً إلى نازح داخل بلده، أو باحث عن لقمة عيش في اقتصاد غير رسمي لا يوفر أي حماية. هناك من فقد عمله بسبب الحرب، وهناك من اضطر إلى الهجرة، وهناك من بقي يحاول التمسك بما تبقّى من استقرار هشّ لا يكاد يصمد أمام يومٍ جديد.

لكن رغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن اختزال صورة العمال في المعاناة فقط. فالعامل في كل مكان هو جزء من دينامية الحياة نفسها، هو من يبني المدن ويُشغّل المصانع ويزرع الأرض ويؤمّن استمرار الدورة الاقتصادية. وفي كثير من الأحيان، يكون هو أيضاً مصدر الصمود الأول في المجتمعات المنهكة، حتى عندما تغيب عنه أبسط مقوّمات الحماية.

عيد العمال اليوم ليس مجرد تذكيرٍ بتاريخٍ نضالي، بل هو دعوة لإعادة النظر في الواقع الراهن: في سياسات العمل، في العدالة الاجتماعية، في الفجوة المتزايدة بين من يملك ومن يعمل. وهو أيضاً مناسبة للتأمل في سؤال أكبر: هل ما زال العمل يعني الكرامة كما يفترض أن يكون، أم أنه في كثير من الحالات أصبح مرادفاً للبقاء على قيد الحياة فقط؟

في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، ويزداد فيه عدم اليقين، يبقى العامل هو الثابت الأكثر هشاشة في المعادلة. ومن هنا تأتي أهمية هذا اليوم، لا كذكرى رمزية، بل كصرخة مستمرة من أجل عالمٍ أكثر عدلاً، حيث لا يكون العمل عبئاً على الإنسان، بل وسيلة لحياةٍ تليق به.