Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

الردع المكلف... لماذا لا تُختصر المقاومة بكلفة الحرب؟

زكريا نزار موراني
17 أبريل 2026 | 06:21 ص
لبنان والمقاومة مقال موراني - سنيب

في لحظات الحرب الطويلة، لا تُقاس المواقف الكبرى فقط بعدد الخسائر الآنية، بل بالسؤال الأعمق: ما الذي كان سيحدث لو غاب هذا العامل تمامًا عن المعادلة؟ هنا تحديدًا يظهر دور المقاومة في لبنان بوصفه جزءًا من توازن قلق لكنه قائم، لا يمكن فهمه خارج سياق البيئة الإقليمية ولا خارج طبيعة الصراع الممتد منذ عقود.

صحيح أن الكلفة الإنسانية والمادية في لبنان باهظة وثقيلة، وأن أي قراءة صادقة للواقع لا يمكن أن تتجاهل حجم الألم الذي يعيشه الناس. لكن اختزال الصورة في الخسائر وحدها يقدّم مشهدًا ناقصًا، لأن أي مواجهة مع قوة عسكرية متفوقة تقنيًا وإسناديًا لا يمكن قياسها بمعايير النتائج السريعة. في مثل هذه الحالات، يصبح معيار التأثير مرتبطًا أيضًا بمنع الحسم، وبإبقاء القدرة على الردع قائمة، حتى في أصعب الظروف.

دور المقاومة، في هذا السياق، لا يُفهم فقط كفعل عسكري لحظي، بل كجزء من معادلة ردع نشأت في ظل اختلال واضح في ميزان القوى التقليدي. هذا النوع من المعادلات لا يُنتج “انتصارات نهائية” بالمعنى الكلاسيكي، لكنه أيضًا يمنع “حسمًا نهائيًا” من الطرف الآخر، ويجعل كلفة أي توسّع أو اجتياح أو استباحة أعلى بكثير مما كانت عليه في غياب هذا العامل.

ومن هنا، يصبح النقاش الحقيقي ليس بين “انتصار وخسارة” بالمعنى الدعائي، بل بين وجود قدرة على فرض قيود على الخصم، أو غيابها بالكامل. في الحالة الثانية، لا تكون الخسارة مجرد أرض أو موقع، بل تتحول إلى فقدان كامل لميزان الردع، وما يرافقه من إعادة تشكيل قسرية للواقع السياسي والجغرافي.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار المواجهة بهذا الشكل يفرض أثمانًا قاسية على المجتمع والدولة، وهذا بحد ذاته جزء من الإشكالية الكبرى في التجربة اللبنانية. لكن تحميل طرف واحد كامل مسؤولية النتائج يتجاهل طبيعة الصراع نفسه، الذي يتداخل فيه المحلي بالإقليمي، والعسكري بالسياسي، والردع بالدفاع، ضمن شبكة معقدة لا يمكن تبسيطها بشعارات أو بإدانة مطلقة أو بتقديس مطلق أيضًا.

المعادلة الأساسية التي تُغفل كثيرًا في الخطاب العام هي أن غياب أي قدرة على المقاومة لا يعني تلقائيًا نهاية الحرب، بل يعني غالبًا انتقالها إلى شكل أكثر قسوة وأحادية، حيث تصبح كلفة الفعل على طرف واحد فقط، بلا أي قدرة على الرد أو التقييد. وهذا ما يجعل فكرة “الدور” هنا مرتبطة بوجود توازن، حتى لو كان هشًا ومكلفًا.

في النهاية، يمكن الاختلاف حول الخيارات والتكتيكات والنتائج، لكن لا يمكن تجاهل أن وجود قوة مقاومة في لبنان غيّر طبيعة التعامل مع هذا البلد في معادلات الصراع، وجعل أي سيناريو مفتوحًا على حسابات أعقد من مجرد التفوق العسكري. هذا بحد ذاته عنصر لا يمكن فصله عن فهم الواقع، مهما اشتدت الخسائر أو تعاظمت التحديات.















ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.