ننتصر يوميًّا… ونخسر الوطن بالتقسيط (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


في هذا البلد الذي لا يموت من شدّة ما يتقن فنّ الاحتضار، لا تحتاج إلى نشرة أخبار لتعرف ما يحصل، حيث يكفي أن تُصغي إلى خطابٍ واحد، فتدرك أنّ الواقع في مكان، واللغة في مكانٍ آخر، وأن بينهما هوّة تُردم بالتصفيق لا بالحقيقة.
لبنان اليوم، رغم هدنة العشرة أيام التي بدأت منتصف الليل الفائت، يبقى مشهدًا مفتوحًا على جميع احتمالات الخراب: ضحايا، بيوت تُهدَّم، عائلات تُشرّد، قرى تُفرَّغ من أهلها... والناس تعدّ خساراتها كما يعدّ الغريق أنفاسه الأخيرة. ومع ذلك، تبقى "الانتصارات" عنوانًا عند المعنيين، كأنّ الدمار تفصيل عابر، أو كأنّ الألم مجرّد ضريبة مستحقّة على طريق مجدٍ ينتظر وضوح ملامحه.
في قلب هذه المشهدية الثقيلة، يطل الـ"الواثقون" من حين لآخر، ملوّحين برايات النصر، ويرفضون المفاوضات باسم الكرامة، ويرفضون الدولة باسم السيادة، ويرفضون واقعًا قد لا يُجيدون التعايش معه. يحدّثوننا عن "الميدان" وكأنّه كوكبٌ آخر، لا علاقة له بما يحصل هنا، حيث الناس تبحث عن مأوًى، وعن خبز، وعن سببٍ يبرّر الخراب المفتوح.
يقولون أن الكلمة للميدان، وكأنّ الميدان لم يتكلّم بعد… أو لعلّه تكلّم بلغةٍ لم تُترجم في خطاب. فبينما تُرفع شعارات النصر، كان المشهد في الجنوب يروي حكايةً أخرى: نتنياهو يتجوّل حيث يشاء في الجنوب، وجنود إسرائيليون في الناقورة، حيث لا ينبغي لهم أن يكونوا، في سيارة عسكرية مكشوفة تمرّ كأنّها في نزهة... فيما نحن نُقنع أنفسنا بأنّ "الانتصار" بين أيدينا بعد أن تمدّد الاحتلال من 5 نقاط إلى 18، والرقم مفتوح على احتمالات التمدّد أكثر بعد هدنة تنتهي، مبدئيًا، بعد 10 أيام.
أيّ باب هذا الذي يُفتح على مزيدٍ من النزوح؟! أيّ نصرٍ هذا الذي لا يراه سوى من يؤمن به؟! وأيّ كرامةٍ تُصان حين يُترك الناس لمصيرهم، ويُطلب منهم أن يحتفلوا رغم الألم؟!
المفارقة ليست في فقط في هذا النوع من الخطاب، بل بما يرافقه من أصواتٌ تردّد، تبرّر، تزيّن، وتحوّل الكلمات إلى حقائق مُفترضة. هنا، لا يعود السؤال مسموحًا، ولا الشكّ مقبولًا، فكلّ من يجرؤ على التفكير يُتّهم بأنّه خائن لا يفهم "تعقيدات المرحلة"، كأنّ التعقيد صار ذريعة لإلغاء العقل.
في هذه المرحلة العجيبة، لا تُقاس الأشياء بنتائجها، بل بما يُقال عنها. لا يُسأل عن الخسارة، بل عن القدرة على تسميتها نصرًا. ولا يُحاسَب من يقود إلى الهاوية، بل يُكافأ لأنّه يعرف كيف يصِف السقوط على أنّه تحليق.
هكذا، يتحوّل الألم إلى خلفية صامتة، وتصبح المأساة مجرّد تفصيل لا يفسد رواية "الإنجازات". وهكذا أيضًا، يعتاد الناس على التناقض، حتى يصبح مشهد العدوّ في أرضهم أقل صدمة من سماع خطابٍ يقول لهم أنّ كل شيء تحت السيطرة.
في النهاية، لا يبقى لنا سوى هذا السؤال المُرّ: هل نحن أمام واقعٍ يُدمَّر فعلًا، أم أمام وعيٍ يُعاد تشكيله ليقبل بهذا التدمير ويصفّق له؟!
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




