صنَاعة التفاهة (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


ليس الأمر عابرًا كما قد يبدو، ولا هو مجرد انحدار ذوقي طارئ يمكن تجاوزه بنقدٍ عابر أو تنهيدة عابثة. فما يحصل أشبه بعملية مُحكمة، هادئة، متدرّجة، تُعيد تشكيل الحسّ العام، وتُعيد تعريف ما ينبغي أن يُحبّ وما يجب أن يُهمَل، حتى ينقلب الميزان من دون أن يشعر أحد بأنه انقلب.
وهذا المسار يمكن أن نسمّيه هندسة الرداءة، أو إن شئت صناعة التفاهة.
في البداية، لا يُفرض هذا النمط دفعة واحدة، بل يُقدَّم باعتباره استثناء عابرًا، كشيء خفيف الظل، لا يُؤخذ على محمل الجد. ثم يُعاد تقديمه، مرةً بعد مرة، حتى يفقد غرابته الأولى، ويألفه المتلقّي كما يألف ضجيج المدينة. عندئذٍ، لا تعود التفاهة مزعجة، بل تتحول هواءً يوميًّا، يُستنشق بلا وعي، بل وربما يُطلب بإلحاح.
ثم تبدأ المرحلة الأخطر: إعادة تعريف المفاهيم؛ حتى يُصبح العمق مرادفًا للثقل، والذكاء تهمة بالتعقيد، بينما يُسوَّق التسطيح بوصفه بساطة جذابة، قريبة من الناس. وهنا لا يكون الترويج للرديء وحسب، بل يُشوَّه الجيد أيضًا، حتى يفقد بريقه في أعين الجمهور.
بعد ذلك، تُصنع نماذج من العدم. شخصيات تُلمَّع، تُقدَّم باعتبارها قصص نجاح ملهمة، بينما هي في حقيقتها فراغ مصقول بعناية. تُروى الحكايات، تُفبرك البطولات، ويُضخَّم العادي حتى يبدو استثنائيًّا. وهكذا، لا يعود النجاح نتيجة قيمة، بل نتيجة تسويق.
وفي موازاة هذا التضخيم المصطنع، يُحاصَر كل ما هو متقن. الجودة لا تُحارَب مواجهةً، بل تُغرق في الضجيج، تُؤجَّل، تُهمَّش، حتى تبدو غريبة عن السياق العام؛ فيصبح الإبداع استثناءً مُربكًا، ويغدو الإتقان عبئًا لا طائل منه.
عند هذه النقطة، لا يبقى المثقّف خارج دائرة الاستهداف وحسب، بل يتحول إلى مادة للسخرية، ويغدو الوعي نفسه مدعاة للتندّر أيضًا. ذلك أن الوعي يفضح اللعبة، واللعبة لا تستقيم إذا كثر من يفهم قواعدها. لذا، يُدفع بالواعي إلى الهامش، أو يُعاد تشكيله ليُصبح نسخة مخففة من نفسه.
غير أن أخطر ما في هذه العملية ليس صُنّاعها، بل اكتمالها بالجمهور. حيث لا يكتفي المتلقي بالاستهلاك، بل يتحول إلى مدافع شرس عن الرداءة، إلى مهاجم لكل ما يخالفها، وهنا تبلغ العدوى ذروتها. لم تعد التفاهة مفروضة، بل صارت مُختارة، مُبرَّرة، بل ومحبوبة أيضًا.
عندئذٍ، لا تعود المسألة ظاهرة يمكن عزلها، بل تتحول إلى نظام. قانون غير مكتوب يحكم الذائقة والسلوك: من أراد البقاء، فليخفّف من عمقه؛ ومن أراد الصعود، فليتخلّ عن امتلائه. وهكذا، تُستبدل القيمة بالانتشار، والمعنى بالضجيج، والجوهر بالصورة.
إنها ليست مجرد تفاهة… بل بنية كاملة تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوءٍ مخيف.




