التيه (سلسلة حبر ناعم | بقلم فدى الحاج)


بعد طول غياب، دخلت المكان وكأنها عادت إلى عالمه، لكن كل شيء بدا غريبًا... لم يعد كما كان! هناك في الزاوية حيث كان يقف، لم تعد عيناه تتبعاها بلا كلام، ولا تتلمس الذكريات كما لو كان جدرانًا باردة خالية من الروح.
تقدمت خطوة أخرى نحو التيه، فصرخ الصمت في داخلها أعلى من أي صوت، كأن الزمن مرّ من هنا! وكأن الأسامي لم تكتب يومًا على الأشجار.
رفعت عينيها تبحث عن أثر يدلها، عن علامة صغيرة تقول أن ما كان حقيقيًّا يومًا لم يكن وهمًا، وظلّ المكان صامتًا، يحدق في عينيها، كأنه يريد البوح بشيء، أو ربما يحتاج إلى أن يتذكرها.
انحنت قليلًا، التقطت شيئًا من الأرض، ثم أعادته من جديد، همست لنفسها: ربما الأشياء هنا لم تعد تخصني، لا شيء يدل على أننا كنّا معًا هنا سوى شعورٍ ثقيل يرفض المغادرة.
جلست على الكرسي، ذلك الذي كان يشكو دومًا من ثقل الانتظار، ثم راحت تشعر به ليس كرسيًّا بل شاهدًا. كأن الخشب حفظ كل أحاديثهم ونقشها على مسامه، حروفًا لا ترى لكنها تحس. كل خدشٍ كان جملة غير مكتملة، وكل انحناءة كانت عبارة حب أثقلت معانيها متانته.
مرّت أصابعها عليه ببطء، لا لتقرأ ما كتب، بل لتتأكد أنه ما زال يتذكر، شعرت بأن الصمت حولها لم يكن فراغًا، بل امتلاء مؤلم من صدى الكلمات التي كانت تنثر بين جدران المكان.
وقفت وهي خائفة، تخشى أن تتحرك كي لا يتبدد هذا الامتلاء فجأة، كان الصمت يضغط عليها أكثر من كل الجهات، لا كغياب بل كحضور كثيف.
أغمضت عينيها، فتهاوت الصور دفعة واحدة، ضحكات بريئة، ووعود قيلت على عجل، وأحلام نصف مكتملة، كالجمل المنقوشة التي غطتها الأتربة وغيرت بعض ملامحها.
فتحت عينيها ببطء، فبدت الأشياء أوضح وأقسى. المكان لم يخدعها، هو فقط عكس لها ما حاولت إنكاره طويلًا: أن بعض الوعود لا تُكسر، بل تذوب، وأن الأحلام لا تموت، بل تتعب وتنام في الزوايا.
واتجهت نحو الباب، لا لتغلق فصلًا، بل لتتركه مفتوحًا… كي لا يعود التيه وحده إلى هذا المكان.




