Contact Us
Ektisadi.com
أدب

الثقافة خبز الصحافة... والأدب ينبوعها العذب (بقلم بتول عدنان غيث)

بتول عدنان غيث
22 يناير 2026
الكتابة للصحافة - مقالة بتول عدنان غيث - سنيب

ليس كل ما يُكتب يُقرأ، وليس كل ما يُسمع يُنقل. ففي عالم الإعلام أبواب واسعة للتحرير ونقل الكلمة، إمّا باحترافية تُبنى على ثقافة راسخة وأدب رفيع، أو بمستوى هابط يفتقد العمق. وكل ما يُنقل باسم المحرّر يعكس رؤيته وتطلّعاته، ويكشف مستوى ثقافته وأسلوبه.
الثقافة ليست مجرد معلومات تُغذّي الذهن، بل هي وعي وقدرة على الفهم والتحليل وفق السياق. والأدب ليس زخرفًا لغويًّا، بل هو روح النص التي تجعل القارئ يعيش ما يقرأ ويستدرك حيثياته. لذلك، حين يجتمعان في قلم الصحافي، يصبح النص أكثر من خبر أو تقرير؛ يصبح تجربة فكريّة وجماليّة.
في الساحة الإعلامية اليوم، برزت أسماء كثيرة، لكن الغالبيّة وقعت في فخ الثقافة التي تُهيمن على جوهر العمل الصحافي. هذه الكلمة مرّت على آلاف، لكن قلّة فقط تمعنوا في معناها وما تحمله في جعبتها من مفاهيم. وبين كتابة خبر ونقل حدث، تنزلق أخطاء واسعة دون قصد: في التسميات، في الأفعال، أو في الصياغة التي قد تسلب الحقّ من صاحبه بدل أن تمنحه إيّاه. وعلى سبيل المثال، حين يقال عن العدو الإسرائيلي "الجيش الإسرائيلي" حينها يُعتَبر أن الجيش الصهيوني ليس عدواً، وأيضًا عندما يقال "جيش الدفاع الإسرائيلي" فيظهر وكأنه الحمل البريء، ومن يُعتدى عليه هو المعتدي، فيُعطى الحق بأن يقتل الشعب، وغيرها من العبارات التي يتناقلها الصحافيون دون التدقيق بالتفسير الكامن خلفها.
من هنا يظهر دور الثقافة والأدب معًا في المعالجة الصحافية التي تحدّد زاوية النظر وتكشف عمق الفهم.
فاللغة ليست عائقًا يشلّ مفاصل الثقافة، بل هي الجسر الذي يحملها ويُصاغ بالأدب. وحين يغيب هذا التوازن، يكون المقال إمّا معلّبًا فاقدًا لقوة المصطلح ومتانة الأسلوب، أو واعيًا مدعّمًا يترك أثرًا في ذهن القارئ. المقال المكرّر يذوب بين السطور، أمّا المقال الواعي فيصمد ويُحدث فرقًا.
في المقابل، الصحافي الذي يغوص في عمق الثقافة، ويصوغها بأدب رصين، يُمنح القدرة على التعبير والتحليل والاستنباط. والأدب في التحرير هو الذي يحوّل الكلمات إلى صور، ويجعل القارئ يعيش النص لا يمرّ عليه مرورًا عابرًا. فالأدب ليس ترفًا لغويًّا، بل شخصية المحرر وروحه.
ودور الصحافي أن يكون متميّزًا بارعًا، يترك بصمة في كل قارئ، ويبني جمهورًا خاصًّا يعرفه من أسلوبه ومصداقيته في كل حرف يصمد على سطور حادة لا تمحى أمام المنافسة، حتى أمام أدوات الذكاء الاصطناعي التي قد تسرق المكانة بلمح البصر. فالثقافة تبقى إطار التطوير والأدب هو الدرع الذي يقي الصحافي.