تأمل الغرفة... وعُدَّ الحمير (بقلم وليد حسين الخطيب)


من هنا… وهناك، لا تُدار السياسة دائمًا بالقرارات الكبرى ولا بالخطب الرنّانة، بل كثيرًا ما تُدار بالحيل الصغيرة، وبأكثر الأساليب خبثًا: سياسة الإلهاء.
هي تلك اللعبة القديمة المتجدّدة، التي يتقنها الزعماء حين لا يريدون الإقناع، فيشغلون الناس عن الجرائم بالضجيج، وعن الصفقات بالمهاترة، وعن الوطن بتوافه الأمور.
يُحكى أن رجلًا سُجن ظلمًا، في غرفة ضيّقة بالكاد تتّسع لجسده. لم يكن يعرف تهمته، ولم يُمنح حق الدفاع عن نفسه، فراح يصرخ ويضرب الباب ويطالب بالعدالة، حتى ضاق به آمر السجن ذرعًا. لم يناقش التهمة، ولم يفتح تحقيقًا، بل أمر عناصره بإدخال حمار إلى الغرفة.
فجأة تغيّر المشهد: نسي السجين براءته، نسي التهمة، نسي الظلم، وراح يصرخ: "أخرجوا الحمار، لا أستطيع التحرك"!
هكذا، انتهت القضية الأولى، وبدأت قضية جديدة، أقل شأنًا، وأكثر إلحاحًا… لكنها ليست الأساس. هذه القصة ليست نكتة، بل ملخّص دقيق لما يدور حولنا. فالزعماء، خصوصًا أولئك الذين كانوا يومًا أمراء حرب، يعرفون أن الناس حين يُحاصَرون بالهمّ الكبير قد يسألون ويُحاسبون، أما حين يُغرَقون في التفاصيل الصغيرة، فإنهم يتقاتلون على الهامش وينسون المتن.
من هنا… تُفتعل معارك جانبية، وتُضخّم خلافات تافهة، ويُستحضر خطاب الغرائز والطوائف والمخاوف، لا حبًّا بالناس، بل خوفًا منهم.
وهناك… تمرّ الصفقات بهدوء، وتُنهب الموارد باسم "الضرورة"، وتُدفن القضايا الكبرى تحت ركام الضجيج.
المشكلة ليست في الحمار الذي أُدخل الغرفة، بل في السجين الذي صدّق أن مشكلته صارت ضيق المكان، لا سبب السجن. والمأساة أننا، في أوطان كثيرة – خصوصًا في لبنان - نُسجَن كل يوم في غرف ضيقة، ويُدخَل إلينا حمار جديد كل مرة: تصريح مستفز، أو خلاف مفتعل، أو قضية جانبية… فنصرخ، ونتخاصم، وننسى السؤال الأول: لماذا نحن هنا أصلًا؟
والمفارقة الأكثر مرارة أن الزعيم لا يكتفي بإشغال الناس، بل يجعلهم يتأقلمون مع الإلهاء، ويدافعون عنه، ويعادون من يذكّرهم بقضيتهم الأولى.
من هنا… يصبح السؤال عن الفساد خيانة، والمطالبة بالمحاسبة فتنة، والبحث عن دولة حقيقية مؤامرة.
وهناك… يُعاد تدوير الوجوه نفسها، تُلمَّع الخطابات نفسها، ويُطلب من الناس الصبر مرة أخرى، باسم الخطر الداهم، والعدو المتربّص، والمرحلة الحسّاسة التي لا تنتهي.
سياسة الإلهاء لا تحتاج إلى عبقرية، بل إلى جمهور غبي، وجوعٍ طويل، وخوفٍ مزمن. وحين يُستنزف الناس يوميًّا في لقمة العيش، وفي معارك وهمية، وفي انقسامات مصطنعة، لن يبقى لديهم طاقة ليسألوا: أين المال؟ أين الدولة؟ أين العدالة؟
المشكلة أن الغرفة تضيق كل يوم أكثر، والحمير تتكاثر، والسجّان يزداد وقاحة! ومع ذلك، ما زال باب الخلاص واحدًا: العودة إلى أسئلتنا الأولى: لماذا سُجنّا؟ من سجننا؟ ولماذا الإصرار على إدخال كل هذا الضجيج بدل فتح الباب؟
من هنا، لا خلاص لوطن يُدار بالإلهاء، ولا كرامة لشعب يُستدرج كل مرة إلى صراخ جانبي، فالحرية لا تبدأ بطرد الحمار من الغرفة، بل بخلع القفل، ومحاسبة مَن سمّى الإلهاء سياسة، والنهب حكمًا، والناس… مجرّد ضجيج.
من هنا، لا وطن يُبنى بالإلهاء، ولا عدالة تولد من الضجيج. ومن لا يزال يظن أن أمراء الحرب صاروا رجال دولة، فليتأمل الغرفة، وليعدّ الحمير… ثم ليسأل نفسه: من السجين، ومن السجّان؟




