Contact Us
Ektisadi.com
أدب

ليتها تقرأ (بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
29 يناير 2026
عصفور في غرفة  ai

عبارةٌ كُتبت بحبرٍ مختلف، نطقها من دون صوت، فغرّدت في أذنها كأنشودة بلبلٍ أضاع الطريق.

لم تكن جملة عابرة، بل كانت إحساسًا تدفق من خلف شاشة. لم تكن تخاطب الجميع، بل تضع كلماته حيث تمر عيناها، كأن القراءة أقل قسوة من المواجهة. وكأن الاعتراف حين يقال بصيغة الغائب يصبح أكثر أمانًا.

قرأتها ببطء، شعرت بأنه يريد قول شيء مكتوم البوح من وقت مضى، شيء ظل عالقًا في صدره طويلًا، لم يطلب عودة، ولا فتح بابًا صريحًا، بل اكتفى بترك كلماته معلقة، كما تُترك النوافذ نصف مفتوحة: لتدخل منها الشمس، لكنّ الظلال تبقى موجودة.

لا تعليق، اكتفت بالقراءة فقط، شعرت بأن وراء الكلمات صدى صوته يثقل البعد، لم تكن بحاجة إلى الرد، فالصمت أحيانًا يكون أبلغ من الكلام، وبعض الأشياء تفهم بلا حديث.

بقيت الجملة معلقة هناك، تفرح قائلها وتربك متلقّيها، كما لو أن الجملة نفسها عاشت اللحظة، لحظة بلا تفسير بلا اعتناء، تتأرجح بين الصمت والكلام، بين الحضور والغياب، تسللت في ذهنها كنسيم أعاد معه صوت البلبل الضائع، ذلك الصوت الذي لا يعرف طريقه، لكنه لا يتوقف عن الغناء.

تذكرت حينذاك أن ثمّة أصواتًا لا تموت، حتى وإن ابتعد أصحابها، وأن ثمّة كلماتٍ لا تُكتب لتُنسى، بل لتبقى شاهدًا على ما لم يُحسم. بقيت تلك العبارة ترافقها طوال اليوم، كظل يرافق الضوء، لا يلغيه ولا يبتعد منه، كنبضة قلب صامتة، لا تُسمع، لكنها تنتظر أن تُفهم فقط.

هكذا كانت واقعة التغريدة التي وقعت في مكان اكتظ بضجيج المارة، واختلط كل ذلك الصخب في صندوق مكنوناته.

على الرغم من كل شيء، فقد شعرت بأن بعض الأشياء، مهما كانت صامتة، لا بد أن يكون لها صوت يسمع، وعين تبصر ما يخفيه القلب، فتستقر اللحظة كما هي، لا يبدلها الزمن ولا يفرقها المكان.