اعتصام الكرامة… لا صوت يعلو فوق الحق


لطالما لم تكلّ الصيحات ولم تملّ عن المطالبة بحقوق أُهدرت بفعل السياسات الظالمة؛ فمن خدم وطنه كان ثمن وفائه الجحود والتهميش، ليشهد كل فرد لا يزال في الخدمة الفعلية نفسه وهو ينظر إلى سنوات قادمة ليرى ما سيحلّ به بعد التقاعد. ومن بدّد ظلام الأمية عن الأجيال لتنهض بهم الأمم، كان جزاءه أن يُساوم على حقه، وأن تتحوّل المهنة السامية إلى عبء يثقل كاهل كل معلم. ناهيك عن سائر الوظائف الأخرى في القطاع العام التي يعاني أفرادها من الألم ذاته.
فبعد تدهور الأوضاع المعيشية والأوضاع الاقتصادية الصعبة، لم تتوقف الاعتصامات أمام الدولة بمختلف حكّامها؛ فهذه الآفة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة الفساد المستشري في جسد الدولة. وقد تجددت الاعتصامات أمام مجلس النواب مشحونة بهتافات تحكي المأساة، بالتزامن مع اجتماعهم لإقرار الموازنة العامة لعام 2026 وما يُثار من قرارات عن حرمان المتقاعدين من رواتبهم وتصعيدات بحق العسكريين المتقاعدين. ولأن الصوت لا يخفت، اتحدت الأيدي لينتصر الحق، فكان أساتذة التعليم الرسمي يتظاهرون في تحركات ستستمر خلال اليومين المقبلين.
وهنا يطرح المشهد سؤالين مباشرين: إلى أين يتجه زمام الأمور؟ وإلى متى ستستمر هذه العربدة؟
من المخزي أن تتحول ساحتا الشهداء ورياض الصلح إلى مساحة تجمع من لم يترددوا يومًا في أداء مهامهم، ومعهم رئيس الهيئة التنفيذية لرابطة قدماء القوى المسلحة اللبنانية العميد المتقاعد شامل روكز الذي أكد على استمرارية الاعتصامات حتى تحقيق المطالب، لأنه يدرك أين يجب الضغط وكيف تُدار الأمور بين مجلس النواب والحكومة.
وقد شدّد على أن التحركات تتمحور حول المعاشات والتعويضات، إذ لا يمكن لأي عسكري في الخدمة أو في التقاعد، ولا لأي موظف في القطاع العام، أن يعيش بالرواتب الحالية. والمطلب الرئيسي هو رفع المعاشات فورًا إلى مستوى لا يقل عن 50% من قيمتها عام 2019 كحد أدنى، مع زيادات تدريجية بنسبة 10% كل ستة أشهر لإعادتها إلى مستواها الحقيقي. كما تناول ملف التعليم وتعويضاته محددًا المطلب برفعها من 50% إلى 100% بعد وعود لم تُنفّذ، إضافة إلى سائر التعويضات التي أوصى بتحصيلها.
إن المشهد اليوم لا يعكس سوى صورة دولة تلتف أحبال المشنقة حول رقاب كل من عمل في القطاع العام؛ فما إكرام المضحي سوى ذبحه وتهميشه. وإن المطالب لن تذوب على عتبة الإهمال، فالحق في العيش بسلام ورفاهية حق مشروع لكل لبناني، لا للساسة وحدهم.
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




