حين لا تدخل النفايات مكانها، فكيف يأخذ الوطن مكانته؟ (بقلم وليد الخطيب)


من هنا، من نافذة بيت مفتوحة على الاستهتار واللامبالاة، يُرمى عقب سيجارة كأنّ الهواء مسؤول عن تنظيف أخطائنا.
ومن هناك، من نافذة سيارة مسرّعة، تُقذف قارورة ماء فارغة، كأنّ الطريق أُنشِئ ليحمل نفاياتنا ويشكرنا عليها.
وفي مكان ثالث، تُلقى أكياس النفايات قرب المستوعب، لا فيه، احترامًا لمسافة "الكسل والبلادة" بين اليد والواجب.
مشهدٌ يوميٌّ مألوف، لا يثير الدهشة بقدر ما يثير السؤال: هل نحن شعب لا يعرف أين يضع نفاياته، أم شعب لا يريد أن يعرف؟
في البرّية، حيث يهرب الناس في أيام العطل بحثًا عن الهواء النقي وعن فسحة للراحة والاسترخاء، يتركون خلفهم ما يكفي لتلويث الغابة عقودًا بل دهورًا. فهم يشوون، يأكلون، يضحكون، ثم ينسحبون تاركين المكان كأنّه تعرّض لغزوٍ مرعب، بلا اعتذار ولا أثرٍ للضمير.
وفي الحدائق العامة، حيث يفترض أن تكون المساحة المشتركة درسًا في الذوق العام، تتحوّل الأرض إلى طاولة قمامة مفتوحة.
المشكلة ليست في قلّة المستوعبات، ولا في ضعف البلديات وحدها، بل في انحلال أخلاقي صامت، وفي ذوق عام يتأكّل ببطء. فالذي يرمي نفاياته من نافذة سيارته، يرمي معها فكرة الشراكة، واحترام الآخر، والإحساس بالمكان... وهنا يأتي السؤال الذي لا مفرّ منه: إذا كان الشعب – خصوصًا نحن اللبنانيين – لا يضع النفايات في مكانها المناسب، فكيف يمكنه أن يضع السياسي في مكانه المناسب؟ وكيف نطالب بالرجل المناسب في المكان المناسب، ونحن نُتقن يوميًّا وضع الخطأ في المكان الخطأ، وبكل ثقة؟
القمامة ليست ما نراه على الطرقات أو في الأماكن العامة... وحسب، بل ما نمارسه من دون خجل أيضًا: قمامة سلوك، قمامة وعي، وقمامة لا تُرمى في المستوعبات لأنّها تسكن العقول.
من هنا… وهناك، يتّضح أن تنظيف الشوارع يبدأ من تنظيف النفوس، وتنظيف الفكر من "زبالة الأنانية"، وأن الوطن هو المساحة المشتركة التي يجب أن يعيش فيها جميع أبنائه، فلا يكفي أن نقف قربه… بل يجب أن نضع أيدينا في المكان الصحيح، مرة واحدة في الأقل.




