Contact Us
Ektisadi.com
أدب

مدينة الحب (بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
22 يناير 2026
مدينة الحب AI

دخلت المدينة وأنا أظنّ أنّني وجدت المأوى، كفراشة حالمة تدور حول الضوء ولا تشعر بحرارته.

ظننت أن قلبي هنا سيجد الدفء، وأن الحب يعني الأمان. لكن كل زاوية من المدينة كانت تهمس بهدوء: لكل شيء ثمن... حتى البقاء.

في هذه المدينة أشياء قد تراها أول مرة، فالحب لديها لا يقاس بما يقال، بل ما تخفيه القلوب. الوجوه ودودة، والابتسامات جاهزة والمشاعر محاطة بأسوار غير مرئية، كل شيء يبدو قريبًا، لكن ممنوع لمسه، كأن القرب منه وعد مؤجل لم يكتمل بعد.

كنت أتنقل بين تفاصيلها محاولة أن أجد نفسي، أتنازل قليلًا، وأصمت طويلًا. أقنعت نفسي أن التكييف شكل من أشكال النجاة، لكن شيئًا ما بداخلي كان يرفض التصديق، ظل يقاوم، يتشبّث بصوت خافت يقول أن الحب لا يمكن أن يكون عبئًا، وأن مدن الحب تتقن الاحتفاظ بأرواح تبادلت الوعود، ثم نسيت كيف تفي بها.

مع مرور الوقت، فهمت أن البقاء هنا يحتاج إلى قلب أقل شفافية، خطوات بطيئة، وحلم يعرف متى يختبئ. أدركت أن ثمّة مدنًا لا تقتلك، بل تستنزفك على مهل، فتُترَك في المنتصف، لا راحلًا تمامًا ولا منتميًا بصدق.

أصبحت أراقب قلبي أكثر مما أعيشه، أخشى أن أفرح كثيرًا فأُحاسَب، أو أن أحب بصدق فأُرهق. حتى الشوق هنا كان مؤدّبًا، يطرق باب الروح ثم ينسحب من دون إلحاح.

تعلّمتُ أن أكون أقلّ سؤالًا، وأكثر قبولًا، أن أترك الأشياء تمرّ. لم أعد أطلب من الحب أن يبقى، فقط أن يكون صادقًا، ولو لحظة. فاللحظات الصادقة، وإن قصرت، لا يؤلم انتهاؤها بقدر الانتظار الطويل.

وفي لحظة هادئة، أدركتُ أنني لم أكن أبحث عن مدينةٍ تسكنني، بل عن قلبٍ لا يساومني. أدركتُ أن الضوء الذي كنت أدور حوله لم يكن خارجِيًّا، بل في قدرتي على تحمل الصعاب من دون كلل ولا ضجيج.

حينذاك، اكتشفت أن المدينة ليست مكانًا نسكنه بل إحساسًا يهمس فينا، وأن الحب الحقيقي هو القدرة على ركوب الأمواج في شتاءٍ عاصف، والصبر على الصمود في وجه أي إعصار يواجهنا.

فالحب هو أن تبقى صادقًا مع نفسك، وأن تسمح لقلبك بالاحتفاظ بالدفء من دون أن ينكسر، وأن تعرف أن المساومة في الحب، قد تكون خسارة حتمية تنزلق بك نحو الهاوية.

لم تكن الرحلة للوصول، بل لمعرفة ضوئك الداخلي، الذي لا ينطفئ نوره مهما طال الشتاء.