Contact Us
Ektisadi.com
أدب

قلبٌ من دَرَج

17 يناير 2026
قلب من درج - المحرر الأدبي

في تسعينيات القرن الماضي، كنّا نجلس أمام الشاشات نتابع المسلسل المكسيكي "أنت أو لا أحد" (Tú o nadie) بأغنيته الشهيرة "قلبٌ من حَجَر" (Corazón de piedra). راكيل وأنطونيو، قلبان أنهكتهما القسوة وسوء الفهم، دارا طويلاً في متاهات الفراق والخذلان، قبل أن يجبر المخرج كسريهما بلقاءٍ طال انتظاره بعد مئات الحلقات.

كنا نؤمن، ونحن نتابع، أن القلوب، حتى إن تحجّرت، لها موعد مع اللين، وأن الحكاية مهما اشتدت عتمتها ستنتهي بضوء. كان ذلك القالب الدرامي يُجبر بالحب والصبر وإصرار الحكاية على أن تمنح أبطالها خلاصاً مستحقاً.

هذا الصباح فقط، وأنا أصعد درج البناية كعادتي منذ سنوات، تنبّهت إلى شيءٍ صغيرٍ وكبير في آن: قلبٌ متشكّل على دَرَج الباطون. لا أعرف منذ متى وهو هناك. ربما كان منذ البداية، وربما تشكّل على عجلٍ بإهمال "بلّاط" لم يعُد يعرفه أحد. ما أعرفه أننا، نحن سكان المبنى وزواره، دُسنا عليه مراراً دون أن نراه. كم مرّة عبرنا فوقه بأحذيتنا الثقيلة وأفكارنا المستعجلة وقلوبنا المشغولة عن كل ما لا يصرخ؟

ساورني السؤال: كم قلباً نفعل به ما فعلناه بهذا القلب الصغير؟ نكسره أحياناً، ندوسه أحياناً أخرى، وغالباً نتجاهله، من دون قصد ربما ومن دون انتباه. لا لأننا أشرار، بل لأن الحياة جعلتنا نسرع. لأن الدرج ليس مكاناً للتأمل، ولأن الباطون لا يُتوقع منه أن يحمل رمزاً هشّاً صغيراً كهذا.

ذلك القلب المتشكّل ليس درامياً كقلوب المسلسلات. لا موسيقى تُنذر بكسره كما لا حوار يُمهّد لشفائه. هو صامت متواضع ومكشوف. لا ينتظر منا سوى أن نراه. أن نخفف وطأة خطونا فوقه، وأن نعترف بوجوده.

مُذ لمحته، تغيّر إيقاع صعودي ونزولي. صرت أبحث عنه بعينيّ قبل قدميّ. حيناً أتفاداه بخطوة جانبية، وأحياناً أمرّ بقربه كمن يسلّم على صديقٍ خجول. صار علامة تذكير بأن القلوب ليست دائماً في الصدور، وأن الكسر لا يحتاج ضجيجاً ليقع.

في المسلسل، جُبر القلبان لأن الحكاية أرادت ذلك. أما قلبُ الدرج هذا فمن يجبره؟ لا أحد سيكتب له نهاية سعيدة. جبره ليس بإعادة رسمه أو حمايته بزجاج. جبره بأن نُدرّب نظرنا على الانتباه. بأن نُبطئ قليلاً ونعرف أن المرور فوق القلوب يترك أثراً حتى لو لم نسمعه.

ربما القلب المرسوم هو رسالة من شخصٍ مرّ من هنا يوماً وأراد أن يقول: أنا كنت هنا أو أنا أحب أو انتبهوا. وربما هو مجرّد عبثٍ جميل حتى صاحبه لم يقصده. في الحالتين، هو امتحان صغير لإنسانيتنا اليومية. هل نرى ونكترث؟ هل نغيّر سلوكاً بسيطاً لأن رمزاً هشّاً استحق ذلك؟

قلبٌ من دَرَج لا يطلب الكثير. لا لقاءات مؤجلة ولا اعترافات كبرى. يطلب فقط أن نكفّ عن الدوس الأعمى. أن نتذكر، ونحن نصعد وننزل، أن القلوب تُكسر غالباً بلا نيّة، وتُجبر أحياناً بانتباهٍ صادق. منذ اليوم، صار هذا القلب جزءاً من طريقي. وصرت أظن أن كل درجٍ في حياتنا يخفي قلباً ما ينتظر أن نراه.