بقّ البحصة… قبل أن يصبح الصمت ورطة! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


"ما بدي بقّ البحصة!" عبارة لبنانية نسمعها كثيرًا عندما نعرف أمرًا ونخشى البوح به، أو نكون على وشك كشف سرّ قد يسبّب لنا "جرصة" نحن بغنًى عنها. لكن ما حكاية هذه البحصة التي نسجنها في قلوبنا؟ ولماذا صار إخراجها مرادفًا للكلام الذي نحبسُه في صدورنا؟
تُروى في تراثنا الشعبي حكاية طريفة عن خوري رعية عُرف بصفاء نيته، وكان اسمه سمعان، لا تكاد تراه في مكان إلا ويلازمه مرافقه أنطون، الذي كان شديد الوفاء له، وإن كان لسانه، بحسب الرواية، لا يخلو من خبث!
ولكي يتخلّص أنطون من ورطته، وضع بحصة في فمه، فصار عاجزًا عن الكلام، وكأنه اختار الصمت وسيلةً للنجاة من همٍّ لا يريد الإفصاح عنه.
وذات يوم، كان الخوري ومرافقه يجولان في منطقة جزين، وكان الحرّ شديدًا يكاد يذيب الحجر. وبينما كان الخوري يسير متعبًا، سمع امرأة تستغيث به، فاندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة، ظنًّا منه أن مصيبة وقعت أو أن أحدًا يواجه خطرًا يستدعي النجدة.
أما أنطون، فكان يركض خلف الخوري، الذي كان يتعثّر وينهض، إلى أن أنهكه التعب وأخذ منه كل مأخذ. تُرى، أهناك ميت؟ أم حريق؟ أم كارثة حلّت بالضيعة؟
وصل الخوري إلى المرأة لاهثًا، وسألها بقلق: "خير إن شاء الله؟ شو الخبر؟ مين مات؟".
فإذا بالمسألة لا تتجاوز صيصانًا فقست حديثًا، وامرأة تريد بركة الخوري لدجاجتها!
هنا التفت الخوري إلى أنطون، الذي كان قد بلغ به التعب مبلغًا لا يُحتمل، وقال له: "البحصة اللي بتمّك يا أنطون بِقّا وأنت ممنون! لأنه هلّأ وقتها يا أنطون!".
وهكذا، في لحظة واحدة، تحوّلت البحصة من وسيلة لكتمان الكلام إلى عبء لا بدّ من التخلّص منه.
لا نستطيع الجزم بأن هذه الحكاية هي الأصل التاريخي للمثل، لكنها تقدّم صورة طريفة لمعناه المتداول: أن يظلّ الكلام حبيس الصدر حتى يصبح الصمت أثقل من البوح.
وفي حياتنا اليومية، كم من بحصة نحملها في قلوبنا! واحدة خوفًا من الحقيقة، وأخرى تجنّبًا للخلاف، وثالثة لأننا نؤجّل الكلام حتى يحين الوقت المناسب، فلا يأتي هذا الوقت أبدًا.
لكن الحكمة ليست في أن نبقّ البحصة، ولا في أن نبتلعها؛ بل في أن نعرف متى نتكلم، وكيف نقول الحقيقة من دون تجريح أو افتعال مشكلة.
فبعض الصمت حكمة، وبعضه الآخر ورطة، وبينهما بحصة قد تكبر في قلوبنا حتى تغدو في حاجة إلى تفجير!




