Contact Us
Ektisadi.com
أدب

عيناك بداية كل قصائدي (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
5 نوفمبر 2026 | 07:21 م
فتاة في مقهى تحدث إلى عيني شاب جالس معها عند الغروب - مقال فدى الحاج

لم يكن في نيتي أن أقع في الحب ذلك المساء، ولم أكن أبحث عن وجه جديد أضيفه إلى ذاكرة الوجوه التي مرت في حياتي. كنت أظن أن قلبي تعلّم أخيراً كيف يحافظ على مسافته الآمنة من الآخرين، حتى ظهرت أنت.

كانت السماء ملبّدة بالغيوم، والشمس تودّع نهارها لتسلّم حمرة وجنتيها للقمر قبل بزوغه. جلست أراقب المارّة، وأرتشف قهوتي التي تشبه اشتياق العشاق إلى لقاء طال انتظاره، حين شعرت أن شيئاً ما تغير في المكان.

رفعت عينيَّ عن فنجان قهوتي، فإذا بعينيك تستقرّان في عينيّ. لم أعرف من أنت، لكنني شعرت وكأن سمرة حبة البن تناثرت لتستقر في لون عينيك، وتحدثني عن زمن كان يجمعنا معاً (أو سَوِيًّا).

لم أجرؤ على سؤالك إن كنا قد التقينا من قبل، خشيت أن تفضحني دهشة عينيَّ، أو أن تبتسم ساخراً من امرأة أوهمها فنجان قهوتها بأن للذاكرة وجوهاً لا تنساها.

لم تكن رغبتي في معرفة اسمك بقدر رغبتي في اكتشاف ذلك السر الذي جعل حضورك مألوفاً إلى هذا الحد. كنت أنظر إليك وكأنني أستعيد حلماً قديماً أفلت من ذاكرتي، وكأن قلبي سبقني إليك، فعرف فيك شيئاً عجزت عيناي عن تفسيره.

كان في هدوء نظرتك شيء من قصائد لم أكتبها بعد، وفي ابتسامتك دفء مساء افتقدت شمسه طويلاً. وكأنك لم تكن وجهاً عابراً في مساء غائم، بل فاصلاً جميلاً بين زمنين؛ زمن ظننت فيه أنني نسيت كيف أحب، وزمن بدأت فيه أكتشف أن في القلب متّسعاً لحكاية أخرى.

تساءلت في سرّي: أيمكن للروح أن تتعرّف إلى روح أخرى قبل أن تتبادل معها الأسماء؟ وهل تسبق الأرواح لقاءاتها أحياناً، فتزرع فينا الحنين إلى أشخاص لم نعرفهم بعد؟

ظللت أحدّق في عينيك، وأمنح خيالي الحق في أن ينسج من تلك النظرة ألف حكاية. تخيّلت أن لنا في مكان ما من العمر موعداً لم نبلغه، وأن أرواحنا ربما تعارفت في قصيدة قديمة، ثم افترقت قبل أن تحفظ الأسماء.

كان الغروب ينسج من خيوطه الذهبية وشاحاً للسماء، وكانت في عينيك عتمة تشبه ليل الشتاء حين يخبّئ في أحضانه أسرار العاشقين. أما أنا، فكنت أرتشف قهوتي على مهل، وأخشى أن ينتهي المساء قبل أن أكتشف كيف استطاعت نظرة عابرة أن توقظ كل هذا الشعر في قلبي.

لعلّ بعض الوجوه لا تأتي لتسكن أعيننا، بل لتوقظ في أرواحنا قصائد ظننا أنها ماتت مع آخر حكاية حب.