Contact Us
Ektisadi.com
أدب

عندما يشيخ الشوق (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
22 أكتوبر 2026 | 02:47 م
رجل وامرأة مسنان مفترقان - صورة مقال فدى الحاج عندما يشيخ الشوق

ليست المسافات ما يتعب القلوب، بل أن يبقى من نحب قريبًا بما يكفي لنشتاق إليه، وبعيدًا بما يكفي لنعجز عن الوصول إليه.

أحبّته كما لو أنّ الحياة، بكلّ ما فيها من ضجيج وعبور، قد اختصرت نفسها في شخص واحد.لم تكن تعرف متى بدأ يتسلّل إلى تفاصيلها، ولا كيف أصبح صوته قادرًا على تغيير مزاج يومها، وكيف صار حديثه الصغير عن أشياء عادية أجمل ما تنتظره في نهاية كلّ مساء. كلّ ما عرفته أنّها، حين أحبّته، لم تعد ترى العالم بالطريقة نفسها. صار للأيام معنى حين يكون

حاضرًا، وللأشياء البسيطة جمال لا تكتمل صورته إلا حين تشاركه إيّاه.

وأحبّها هو بطريقته التي جعلتها تشعر أنّها ليست امرأة عابرة في حياته، بل المكان الذي تهدأ فيه روحه بعد تعب العالم.

لم يكن حبّهما بحاجة إلى الكثير من الكلمات، فقد كانت بينهما ألفة تجعل الصمت حديثًا، والغياب القصير اشتياقًا، واللقاء العاديّ ذكرى تستحقّ أن تُحفظ في القلب.

لكنّ الحياة لا تسأل القلوب عمّا تريد قبل أن تغيّر طرقها. جاءت الظروف بما لا تشتهي القلوب، ووجد كل منهما نفسه مضطرًا إلى متابعة حياته بعيدًا عن الآخر. لم يكن الرحيل قرارًا اتخذ لأن الحب انتهى، بل لأن هناك أشياء في الحياة لا نستطيع دائمًا أن نختارها بإرادتنا.

في البداية، كانا يواسيان نفسيهما بأن المسافة مجرد وقت، وأن الأيام ستجمعهما من جديد. كانا يتحدّثان طويلًا، يتبادلان تفاصيل يومهما، ويضحكان على أمور لا تبدو مهمّة لأحد سواهما. كانت تنتظر رسالته كما ينتظر المرء نافذة تُفتح في غرفة مغلقة، وكان هو يبحث عن صوتها في نهاية يومه، كأنّ سماعه يعيد ترتيب الفوضى التي خلّفها الغياب في داخله.

وكان الشوق يكبر بينهما بصمت، كأنّ المسافة كلما اتسعت، ضاقت الدنيا في عينيهما، ولم يبق فيها سوى انتظار مكالمة، أو رسالة تحمل شيئًا من دفء الآخر. لم يعد يشتاق إليها حين تغيب فحسب، بل صار يشتاق إليها حتى وهو يسمع صوتها، كان يتمنى لو أن المسافة تنتهي فجأة، ولو أنه يستطيع أن يمد يده عبر الهاتف، ويجذبها إليه، ويهمس في أذنها بكل الكلمات التي عجز عن قولها طوال ليالي الغياب.

أما هي، فكلّما انتهى حديثهما، بقيت لحظات تحدّق في الشاشة بابتسامة صغيرة، كأن صوته ترك قبلة على ثغرها، ثم مضى.

لم يكن ينقصهما الحب، بل كان الحب فيهما أكبر من أن تحمله المسافات. لم يرغبا في الفراق، ولم يستطيعا الاقتراب كما يشتهيان، لأن الحياة وضعت بينهما من الظروف ما لا يقدران على تجاوزه.

فما أقسى أن يكون لك في هذه الحياة قلبٌ تناديه حبيبًا، وتخبره بكلّ ما يسكنك، ثم تعجز عن الوصول إليه حين يشتد بك الشوق، فتكتفي بصوته حين تكون حاجتك إلى حضوره. وما اقسى أن تكون بينك وبين من تحب أمنيات لا تحصى، فتكتفي بوضعها داخل صندوق من الأمنيات المؤجلة.

فبعض الحب لا يتعبه الغياب بقدر ما يتعبه العجز عن إنهائه، أن تظل متمسكًا بمن تحب، لا تقوى على الفراق، ولا تستطيع منح قلبك حقه في القرب.

وحين يشيخ الشوق، لا يتمنّى القلب أكثر من لحظة واحدة؛ أن يختصر العمر كلّه في لقاء، وكأنه يسترد كل لحظة غياب، ليُدرك أنّ بعض المشاعر لا تُطفئها المسافات، ولا تُنسيها السنوات، بل تبقى حيّة في أعماقنا مهما طال الانتظار، فثمّة أشخاص لا يُبعدهم الغياب عن قلوبنا، بل يعلّمنا كيف نشتاق إليهم طوال العمر، وكأنّ لقاءنا بهم لم يكن يومًا لنكتفي منهم بل حكاية حب تمتد حتى آخر أنفاسنا.