Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

مكتبة شمص.. ثمانون عامًا تروي الصمود

أحمد شرف الدين ـ بيروت
31 أكتوبر 2026 | 06:45 م
مكتبة 1
مكتبة 2
مكتبة 3
أرشيف 1
أرشيف 2
دمار 3
دمار 2
دمار 1
1 / 8

المكتبة اليوم بعد الترميم

تقرير: أحمد شرف الدين

ليست مجرد رفوف كتب؛ كانت مكتبة شمص ذاكرةً حيّة. ثمانون عامًا من العطاء، وثمانون عامًا من التجميع والتصنيف والحفظ، حتى صارت مقصدًا لكل لبنان. من جميع أنحاء البلاد، كان الباحث عن كتاب نادر لا يجده في مكان آخر يعرف طريقه جيدًا: شمص.

على هامش زيارة ميدانية قمنا بها إلى المكتبة، كان لنا لقاء خاص مع المسؤول عن قسم المهني والقرطاسية، الأستاذ أحمد دبوس، الذي فتح لنا، في تصريح خاص لموقعنا، صفحات من تاريخ لم يعد موجودًا اليوم إلا بين طيّات الذاكرة.

مكتبة داخل مكتبة

يقول دبوس إن المكتبة، وإلى جانب خدماتها المألوفة التي تقدمها أي مكتبة من كتب مدرسية وقرطاسية ومستلزمات طلابية، كانت تضم جناحًا خاصًا كان هو الروح الحقيقية للمكان. لعلها المئات، بل لربما الآلاف من الكتب بمختلف العناوين العلمية والأدبية والدينية والسياسية والاقتصادية...، لكافة الفئات والأعمار. مكتبة داخل مكتبة، وأرشيف من المخطوطات والقواميس النادرة والكتب التي يصعب إيجادها أينما كان. كانت تلك الغرفة مقصدًا للباحثين والقراء والجامعيين كانت كنز من المعلومات بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

عدوان يستهدف الذاكرة

يقول دبوس بصوت يختلط فيه الأسى بالحسرة: «للأسف، هذه الغرفة لم يتبق منها إلا بعض رفات ورق محروق». عدوان إسرائيلي استهدف المبنى، فحوّل المخزون الهائل إلى رماد. الخسائر المادية كبيرة، يقول، لكن الخسارة الكبرى لا تقاس بالمال. ما ضاع هو تاريخ، هو أرشيف، هو مخطوطات راحت في «مكب الريح»، كما وصفها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يروي الأستاذ دبوس (أبو أديب)، وهو من أعمدة المكتبة، كيف جمع ما تبقى من أهم وأقدم قواميس اللغة ورقةً فوق ورقة، تلك القواميس التي لا تقدر بثمن، و قام بتوزيعها على مدارس المنطقة. لم يكن توزيعًا عاديًا؛ كان محاولة أخيرة لحفظ ما يمكن حفظه، ولحماية قيمتها المادية التي تآكلت بفعل النار، وقيمتها المعنوية لما تحويه من علوم ولغة وتاريخ.

اليوم، عادت المكتبة لترمم جراحها. واجهاتها أعيدت، ورفوفها امتلأت من جديد، لكن التركيز اختلف. اليوم، العمل الأساسي يرتكز على الكتب المدرسية والمستلزمات القرطاسية، على خدمة الطالب والمدرسة، على الإستمرار. وهنا تبرز المفارقة. مكتبة شمص، وهي من المكتبات القليلة التي تملك رقمًا ماليًا رسميًا، أي أنها مؤهلة قانونًا للتعاطي والتعاون مع الجمعيات المحلية والدولية، ومع المؤسسات الثقافية من جهة، ومن ناحية أخرى مع أي جهة معنية بصون التراث. هي ليست كيانًا هامشيًا، بل مؤسسة قائمة بذاتها.

سؤال لم يجد مجيب

سألنا الأستاذ دبوس: لماذا لم تسعى المكتبة إلى عرض ما تبقى من أرشيفها، لتوثيق ما كان لديها من خزين هائل، وطرحه أمام جمعيات مختصة لإبراز الصورة أمام المجتمع الدولي؟ لتوثيق جريمة ثقافية بكل ما للكلمة من معنى . و كان جوابه مؤلمًا بقدر ما هو صادق: «من يفقد الثمين الذي يخبئه لا يسأل عن التفاصيل». ويضيف أنه حتى اليوم لم يقم أحد بالتواصل مع المكتبة، لا جمعية ولا مؤسسة، رغم أنها ما زالت، وبالتوازي مع عملها اليومي، تسعى لتقديم ما تبقى من هذا التاريخ المملوء بالشظايا لمن يحتاج.

مكتبة شمص اليوم مستمرة. تبيع الكتاب المدرسي، وتقدم القلم والدفتر. لأن العلم و الثقافة ليس تحدهم حدود ولا آفاق، ولأن الإستمرارية والعطاء التي قام بها أبناء هذه المكتبة وهم يرفعون الأنقاض والركام بالآلات البدائية فقط من أجل البقاء ورفض الانكسار بحد ذاتهم صمود. لكن خلف هذه الرفوف الجديدة، هناك غرفة محروقة، وهناك تاريخ يحاول أن يتنفس من تحت الرماد. تاريخ ينتظر من يسمعه، ومن يوثقه، ومن يعيد له بعضًا من حقه.

فهل من مجيب؟