واجبات النائب في لبنان: تهنئة بطهور وخطاب وعزاء... بـ2000 دولار شهريًّا! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد الخطيب)


في لبنان، حيث صار المواطن يحسب ثمن ربطة الخبز قبل أن يشتريها، وحيث الموظف والعسكري والأستاذ الجامعي ينتظرون الزيادة كما ينتظر العطشان كوب ماء، جاء الخبر الذي لا يحتاج إلى كثير شرح: راتب النائب سيرتفع إلى نحو خمسة آلاف دولار شهريًّا!
كان النائب يتقاضى قرابة ثلاثة آلاف دولار، منها نحو 1500 دولار راتبًا أساسيًّا، ومثلها من صندوق التعاضد، ثم جاء الكلام على الزيادة لتضيف نحو ألفي دولار أخرى. واللافت أن الآلية لم تمرّ، بحسب ما أوردته تقارير صحافية، عبر تصويت تشريعي معلن في جلسة عامة، بل من خلال نقل اعتماد من احتياط الموازنة إلى صندوق تعاضد مجلس النواب بموجب مرسوم، على أن تُصرف الزيادة دفعة واحدة، بينما تُدفع زيادات موظفي القطاع العام على مراحل وبالتقسيط المملّ كما يعيش حياته الرتيبة ويقسّط حتى طعامه كي لا يقع في عجز كبير.
هنا المضحك المبكي.
الموظف الذي أمضى عمره خلف مكتبه، والعسكري الذي يقف عند الحواجز في البرد والحر، والأستاذ الذي يدخل الصف أو المدرّج ليعلّم أبناء اللبنانيين، يطالب بزيادة ثلاثمئة أو أربعمئة أو خمسمئة دولار، فتأتي الزيادة متعبة، متقطعة، مؤجلة، كأنها صدقة تحتاج إلى لجنة ومراسيم ومفاوضات.
أما النائب، فيبدو أن وضعه مختلف. فهو يحتاج إلى خمسة آلاف دولار، ربما لأن مهمته شاقة جدًا: جلسة، تصريح، مقابلة، خطاب، عزاء، ومهرجان انتخابي… ثم العودة إلى المجلس لتمديد الولاية!
والأطرف أن أحد النواب، في معرض الدفاع عن الزيادة، قال للمحاورة باللهجة اللبنانية: "بتعرفي قديش بدي بنزين بالشهر لقوم بنشاطاتي؟ بدي 2000 دولار".
يا سلام!
صار البنزين جزءًا من الراتب النيابي، كأن السيارة هي التي تنتخب، وهي التي تشرّع، وهي التي تحضر الجلسات!
لكن السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن: خمسة آلاف دولار مقابل ماذا؟
النائب موظف لدى الشعب وكذلك رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء ورئيس مجلس النواب والنواب ليؤدّي كلٌّ منهم دوره، لصاحب العمل الشعب. والنائب لم يُنتخب ليكون فوق المواطن، بل ليكون صوتًا له، ويشرّع باسمه، ويراقب السلطة، ويدافع عن مصالح الناس. فإذا كانت الزيادة تُبرَّر بكلفة التنقل والنشاطات، فماذا نقول للعسكري الذي يجتاز عشرات الكيلومترات يوميًّا؟ وللأستاذ الذي يحمل همّ طلابه؟ وللموظف الذي يذهب إلى عمله بوسائل النقل أو بسيارته ويدفع من راتبه ثمن البنزين والطعام والدواء؟!
ثم إن اللبنانيين - لا أقصد القطعان - لم ينسوا أن الأزمة المالية التي انفجرت في العام 2019 أكلت مدخراتهم وقدرتهم الشرائية، وأن مسؤولية ما حصل لا يمكن فصلها عن سنوات من السياسات والقرارات المالية والسياسية التي دفعت البلاد إلى الانهيار. لذلك، تبدو المفارقة أكثر قسوة حين يجد المواطن نفسه مطالبًا بالتقشف، بينما تُفتح أبواب الخزينة بسهولة أمام زيادة مخصصات النواب.
المشكلة، في النهاية، ليست في أن يعيش النائب بكرامة، ولا في أن يحصل على راتب عادل. المشكلة في معيار العدالة نفسه.
فإذا كان مبلغ خمسة آلاف دولار راتبًا عادلًا للنائب، فلماذا لا تكون العدالة نفسها للعسكري والأستاذ والموظف؟!
وإذا كان البنزين يحتاج إلى ألفي دولار شهريًّا للنائب، فكم يحتاج المواطن كي يصل إلى آخر الشهر؟
في لبنان، يبدو أن ثمّة من يعبر الطريق بالسيارة… وثمّة من يقطعه على المواطن.
والفرق أن الأول يطلب بدل البنزين، أما الثاني فيدفع البنزين… والراتب… والضرائب… ثم يسأل:
"بعد في شي لازم ندفعه؟!".




