حُطّ بالخُرج... حين كان العطاء فضيلة والقناعة كرامة (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب


في ذاكرتنا الشعبية كثير من الأمثال والعبارات التي نردّدها من دون أن نعرف أصولها وحكاياتها، ومنها عبارة "حُطّ بالخُرج"، التي لا تزال متداولة على ألسنتنا، لكن قلّة منّا تعرف قصتها وما تحمله من معانٍ إنسانية واجتماعية...
والخُرج هو قطعة من "الخيش" أو "الجنفيص"، تُوضع على ظهر الدابة، ويتدلّى من جانبيها جيبَان كبيرَان، يُستخدمان لحمل البضائع والأغراض. لكن حكاية "حُطّ بالخرج"، وفق الرواية الشعبية، تتجاوز هذا المعنى المادي، لتروي سيرة أمير عُرف بالكرم والتكافل...
تروي الحكاية، بحسب ما ورد في التراث اللبناني، أن هذا الأمير هو سيف الدين التنوخي من قرية عبيه - على ما ذكره المؤرّخ اللبناني عارف أبو شقرا في كتابه "ثلاثة علماء من شيوخ بني معروف" الصادر في العام 1957 - وقد كان يطوف على حصانه الأصيل قرى لبنان، واضعًا الخُرج على ظهره، وينادي الأغنياء قائلًا: "عندك ومش عايز؟ حُطّ"، والفقراء: "عايز وما عندك؟ خُد". وكان يتيح للأغنياء أن يضعوا ما تجود به أيديهم، وللمحتاجين أن يأخذوا ما يسدّ حاجتهم، من دون أن يسأل أحدًا عمّا وضع أو أخذ.
لقد كانت في هذه المبادرة حكمة إنسانية بالغة؛ فالغني يتصدّق من دون أن يُحرج الفقير أو ينتظر شكرًا، والفقير يأخذ حاجته من دون أن يُضطر إلى كشف فقره أو المساس بكرامته. وهكذا، كان الخُرج مساحة للتكافل، تحفظ للمعطي أجره، وللآخذ عفّته وسترته.
واللافت في الرواية أن الأمير، رغم جولاته المتكررة، كان يعود والخُرج لا يزال ممتلئًا؛ فالأغنياء كانوا يجودون بما أعطاهم الله، والفقراء كانوا يكتفون بما يحتاجون إليه، فلا يأخذون أكثر من حاجتهم.
ترى لو عاد الأمير سيف الدين اليوم، ووضع الخُرج على ظهر حصانه، وجال في قرانا وبلداتنا، فهل سيجد من يضع فيه بسخاء، ومن يأخذ منه بقناعة؟ أم إننا أصبحنا أمام واقع مختلف، بات فيه بعض الأغنياء لا يكتفون بما يملكون، وبعض المحتاجين لا يكتفون بما يسدّ حاجتهم؟
لا شك في أن الفقر ليس عيبًا، وأن الغنى ليس تهمة، لكن العبرة في أخلاق الإنسان، لا في حجم ثروته. فكم من غنيّ يملك ولا يعطي، وكم من فقير لا يملك، لكنه يأنف أن يأخذ أكثر مما يحتاج.
بين خُرج الأمس وخُرج اليوم مسافة شاسعة، لا تُقاس بما فيه من أموال، بل بما تراجع في النفوس من عطاء وقناعة وتراحم.
ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان ذلك زمنًا مضى، فهل نحن اليوم فعلًا في آخر الزمن، أم إن الآتي يحمل لنا ما هو أشدّ غرابة؟ ومن يدري، فربما لم يعد الخُرج وحده فارغًا، بل فرغت معه بعض القلوب من أجمل ما فيها.




