لا تثق بمن تحب (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


كانت تظن أن الحب يعني أن تمنح شخصًا ثقتك دون أن تسأله كثيرًا، وأن الشخص الذي يحبك لن يجد سببًا للكذب عليك. لذلك لم تكن تفتش خلفه، ولم تكن تسأله عن كل تأخير أو كل مكالمة لم يرد عليها. كانت ترى أن العلاقة التي تقوم على الشك لا يمكن أن تستمر.
لم يكن مثاليًا، لكنه كان يمنحها شعورًا بالأمان في البداية. وكأي قصة حب، بدا كل شيء طبيعيًا. كان يسألها عن يومها، ويستمع إلى تفاصيلها الصغيرة، ويحاول أن يكون موجودًا كلما احتاجت إليه.
كان مختلفًا في كل شيء: حضوره، وطريقة كلامه، وملامحه التي تبعث الراحة والطمأنينة.
إلى أن مرت الأيام، وبدأت تلاحظ تغيرًا في تصرفاته. أصبح أكثر انشغالًا، وأقل حديثًا عن يومه. وعندما تسأله، كان يتهرب من الإجابة، متحججًا بأنه يمر بضغوط في عمله لا يريد أن يشغل بالها بها.
ثم جاءت الكذبة الأولى، وتوالت بعدها سلسلة من الحقائق المخفية، حتى أصبحت تشعر أن كل إجابة تخفي وراءها إجابة أخرى.
كانت تحاول أن تتمسك بما تبقى من ثقتها به، لا لأنها لم ترَ الحقيقة، بل لأنها لم تكن مستعدة للاعتراف بها.
لكن بعض الحقائق لا تحتاج إلى أن تُقال… يكفي أن تتكرر التفاصيل الصغيرة حتى يصبح إنكارها أصعب من مواجهتها.
ومع مرور الوقت، اكتشف أنها لم تكن خياره منذ البداية، لكنه لم يخبرها بذلك خوفًا من أن يخسر امرأة ناجحة أصبحت جزءًا مهمًا من حياته.
بدأ يتغير؛ قلّ كلامه، وكثرت أعذاره، وأصبح غيابه أطول من حضوره. ظنت أن هناك امرأة أخرى، وأن كل ما فعله لم يكن سوى خيانة تخفيها ابتساماته.
وحين واجهته، لم ينكر.
قال بهدوء: "لم أخنك… لكنني لم أحبك بالطريقة التي تجعل من الحب مستحيلًا."
خرجت من حياته مكسورة، وهي تظن أنها عرفت الحقيقة.
لكنها لم تعرف أن الحقيقة لم تكن في خيانته، بل في خوفه من خسارتها.
فأحيانًا، ليس كل ما تراه أعيننا حقيقة، وبعض الحقائق تختبئ خلف الأشياء التي نظن أننا فهمناها.




