Contact Us
Ektisadi.com
قضاء وقانون

الذكاء الاصطناعي بين الإلزام والإختيار… ما حُلّة القانون الأوروبي الجديد؟

بتول عدنان غيث
8 أغسطس 2026 | 01:43 م
أشخاص يناقشون قواعد قانون الذكاء الاصطناعي أمام شاشة العرض ai

في عالمٍ يسوده التفوق الإلكتروني، دخل الذكاء الاصطناعي في غضون السنوات الأخيرة إلى الساحة ليكون عاملًا مسيطرًا يغزو كل شاردة وواردة، فلم يعد حضوره مقتصرًا على المجالات البسيطة أو الترفيهية، بل امتد إلى مجالات شديدة الحساسية، من الإعلام والتعليم والصحة، وصولًا إلى الخدمات العامة والأمن.

ومع هذا التوسع المتسارع، لم تعد المسألة مرتبطة بقدرة التكنولوجيا على التطور فحسب، بل بقدرة القوانين على مواكبتها وضبط مخاطرها. ومن هنا، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة بارزة، وهي إقرار قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي ينظم استخدامات هذه التكنولوجيا وفق مبدأ «تنظيم المخاطر»، بحيث تختلف الالتزامات المفروضة على النظام بحسب مستوى الخطر الذي قد يشكله.

دخول القانون حيز التنفيذ يوم الأحد ليس قرار اليوم

لم يكن 2 آب 2026 موعدًا مستحدثًا أو قرارًا اتُّخذ في الأيام الأخيرة. فبعد دخول قانون الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في 1 آب 2024، حدد القانون تاريخ 2 آب 2026 موعدًا لتطبيقه بصورة عامة.

وبحسب ما نشرته المفوضية الأوروبية حول الإطار التنظيمي لقانون الذكاء الاصطناعي، سبق هذا الموعد تطبيق بعض أحكام القانون على مراحل، إلا أن الأحد شكّل المحطة الأساسية لبدء تطبيق معظم قواعده، ومن بينها متطلبات الشفافية المنصوص عليها في المادة 50.

لكن هذا لا يعني أن جميع أحكام القانون أصبحت نافذة في اليوم نفسه، إذ لا تزال بعض القواعد مرتبطة بمواعيد انتقالية لاحقة.

لكن أول ما تغّير أنّ المستخدم يجب أن يعرف أنه يتعامل مع آلة. من أبرز الالتزامات التي أصبحت مطبقة قواعد الشفافية، أنّه عندما يكون نظام الذكاء الاصطناعي مصممًا للتفاعل مباشرة مع الأشخاص، يجب إبلاغهم بأنهم يتعاملون مع نظام ذكاء اصطناعي، ما لم يكن ذلك واضحًا من ظروف الاستخدام.

بمعنى آخر، إذا دخل شخص إلى موقع إلكتروني وتحدث مع روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي، فلا يجوز، في الحالات التي يشملها القانون، أن يُترك لديه انطباع مضلل بأنه يتحدث إلى موظف بشري، يجب أن يكون على علم أنّه يتحدث مع روبوت وتأتي هذه القاعدة ضمن المادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي، التي تضع مجموعة من متطلبات الشفافية على بعض الأنظمة والاستخدامات.

وسائط مولدة بالذكاء الاصطناعي..الشفافية مطلوبة في حالات محددة

لا تتوقف القواعد عند روبوتات المحادثة. فالقانون يتناول أيضًا المحتوى الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي أو يعدله. وبحسب الإرشادات نفسها، يجب على مزودي بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي اتخاذ وسائل تقنية تجعل المحتوى الاصطناعي قابلًا للكشف عنه، بحيث يمكن معرفة أنه تم إنشاؤه أو تعديله بواسطة الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه القواعد، بحسب الحالة، الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية والنصوص.

لكن هنا تحديدًا يجب الحذر من التعميم. فذلك لا يعني أن كل صورة أو كل نص ينتجه الذكاء الاصطناعي يجب أن يحمل تحذيرًا. فالقانون يحدد الحالات التي تنطبق عليها متطلبات الشفافية، إلى جانب استثناءات وشروط تختلف بحسب نوع المحتوى واستخدامه.

التزييف تحت المجهر

مع انتشار التزييف العميق، أو ما يعرف بـ Deepfake، تصبح هذه القواعد أكثر أهمية. فإذا استخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء أو تعديل صورة أو فيديو أو تسجيل صوتي يبدو حقيقيًّا، فإن القانون يفرض، في الحالات التي تدخل ضمن نطاقه، الإفصاح عن أن المحتوى تم إنشاؤه أو تعديله اصطناعيًّا.

ولا يعني ذلك حظر الـDeepfake بصورة مطلقة، إذ ينص القانون على استثناءات محددة، من بينها بعض الأعمال الفنية أو الإبداعية أو الساخرة أو الخيالية.

الفكرة الأساسية هنا ليست منع التكنولوجيا من صناعة المحتوى، بل منع المحتوى الاصطناعي من المرور على الجمهور على أنه حقيقة من دون أي إشارة إلى طبيعته.

النصوص التي يقرأها الجمهور غربلت في القانون

يدخل النص أيضًا ضمن دائرة الشفافية في حالات معينة. فإذا استُخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء أو تعديل نص يُنشر بهدف إعلام الجمهور بشأن قضية ذات مصلحة عامة، تفرض المادة 50 الإفصاح عن طبيعته الاصطناعية عندما تنطبق الشروط التي حددها القانون.

لكن هناك تفصيلًا مهمًا: إذا خضع النص لمراجعة بشرية أو رقابة تحريرية وفق الشروط القانونية، فقد تنطبق استثناءات من متطلب الإفصاح.

وهذه النقطة تهم القطاع الإعلامي بصورة خاصة، في وقت أصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من عملية البحث والكتابة والتحرير في مؤسسات إعلامية عديدة.

حتى التعرف على المشاعر له قواعده

وتشمل متطلبات الشفافية أيضًا حالات محددة تستخدم فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي للتعرف على المشاعر أو لتصنيف الأشخاص اعتمادًا على بيانات بيومترية.

وبحسب الإرشادات الأوروبية، يجب إعلام الأشخاص عندما يكونون معرضين لاستخدام بعض هذه الأنظمة، مع وجود استثناءات محددة، ولا سيما لبعض الاستخدامات المسموح بها قانونًا في سياق إنفاذ القانون.

شركات الذكاء الاصطناعي.. ما الذي بدأ الأحد فعلًا؟

قد يبدو أن كل الالتزامات المتعلقة بشركات الذكاء الاصطناعي بدأت في 2 آب/أغسطس 2026، لكن ذلك ليس دقيقًا.

فبحسب ما نشرته المفوضية الأوروبية حول نماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة، دخلت الالتزامات الخاصة بمزودي هذه النماذج حيز التطبيق في 2 آب/أغسطس 2025.

وتشمل هذه الالتزامات، من بين أمور أخرى، إعداد وثائق تقنية، ووضع سياسة للامتثال لقواعد حقوق النشر، ونشر ملخص عن محتوى بيانات التدريب المستخدمة في النموذج.

أما ما بدأ في 2 آب/أغسطس 2026 فهو دخول صلاحيات الإنفاذ الكاملة للمفوضية الأوروبية في هذا المجال، ما يعني أن مسألة الامتثال لم تعد مرتبطة بالقواعد الموجودة فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة الجهات المختصة على مراقبتها وإنفاذها.

هل مدونة الممارسات إلزامية؟

ورد الالتباس بشدة حول هذا البند تحديدًا، لذلك أصدرت المفوضية الأوروبية Code of Practice، أو مدونة الممارسات، لمساعدة مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة على فهم كيفية الامتثال لقواعد القانون.

لكن، بحسب ما أوضحته المفوضية الأوروبية في أسئلتها وأجوبتها حول المدونة، فإنها ليست قانونًا مستقلًا، كما أن اتباعها ليس إلزاميًا بحد ذاته.

وهذا يعني أن الشركة ليست ملزمة باتباع المدونة حرفيًا، لكنها في المقابل ملزمة بالامتثال لقانون AI Act نفسه. ويمكنها، وفق الإطار القانوني، استخدام وسائل أخرى لإثبات امتثالها للمتطلبات. وهنا يستلزم التفريق بين أمرين: القانون إلزامي، أما مدونة الممارسات فهي وسيلة طوعية للمساعدة على الامتثال.

ليس كل الذكاء الاصطناعي في كُفّة واحدة

ورغم دخول القانون مرحلة التطبيق العام، لا تزال فكرة أساسية تحكمه وهي مستوى الخطر هو الذي يحدد حجم الالتزامات.

فالأنظمة منخفضة المخاطر لا تخضع للقواعد نفسها المفروضة على الأنظمة عالية الخطورة، بينما تواجه الأنظمة التي يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في حقوق الأشخاص أو سلامتهم متطلبات أكثر تشددًا.

ولهذا السبب أيضًا، لا يمكن القول إن جميع قواعد الأنظمة عالية الخطورة أصبحت مطبقة في 2 آب/أغسطس 2026. فبحسب الجدول الزمني الذي نشرته المفوضية الأوروبية، لا تزال بعض هذه القواعد مرتبطة بمواعيد لاحقة، بما في ذلك أحكام يمتد تطبيقها إلى 2027 و2028.

لم يأتِ قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي ليغلق الباب أمام التكنولوجيا، بل ليضع لها إطارًا. فالاتحاد الأوروبي لا يحاول وقف آلة تتقدم بسرعة، بقدر ما يحاول أن يضع علامات واضحة على الطريق قبل أن يصبح من الصعب التمييز بين ما صنعه الإنسان وما صنعته الخوارزمية.

ومع بدء مرحلة جديدة من تطبيق القانون، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستمر في التوسع، وأكثر ارتباطًا بكيفية استخدامه ومن يتحمل مسؤولية ما ينتجه.

إذًا، ففي زمن يمكن فيه لصورة لم تُلتقط، وصوت لم يُنطق، وكلمات لم يكتبها صاحبها أن تبدو حقيقية تمامًا، قد تكون القاعدة الأهم التي يتركها القانون الأوروبي وراءه بسيطة في ظاهرها وعميقة في المعنى، وهيمن حق الجمهور أن يعرف متى تكون الحقيقة أمامه، ومتى تكون الخوارزمية هي التي صنعتها.