موجة من الأعمال الفنية الموروثة تهدد بإغراق سوق الفن مع انتقال ثروة جيل الطفرة

تواجه عائلات جيل الطفرة السكانية “بيبي بومرز” تحديًا متزايدًا في التعامل مع المجموعات الفنية التي ستنتقل إلى الجيل التالي، إذ يجد كثير من الورثة أنفسهم أمام أعمال فنية ضخمة لا يعرفون كيفية الحفاظ عليها أو الاستفادة منها، وسط توقعات بتدفق كميات هائلة من اللوحات والمنحوتات إلى السوق خلال السنوات المقبلة، بحسب وكالة بلومبيرغ.
وتُعد قصة الفنان الأميركي ديفيد أ. فوغان مثالًا على هذا التحدي، إذ ترك بعد وفاته عام 1975 مجموعة كبيرة من أعماله الفنية لابنيه، تضمنت نحو 90 لوحة إلى جانب عدد كبير من الرسومات والمنحوتات. وحافظ الأبناء على المجموعة إلى حد كبير، لكنها ستنتقل قريبًا إلى حفيديه، اللذين يواجهان صعوبة في رعاية الأعمال المتبقية رغم قيمة بعضها الفنية.
ومن المتوقع أن يتكرر هذا الوضع ملايين المرات خلال العقد المقبل مع انتقال مجموعات جيل الطفرة السكانية إلى الورثة، إذ تشمل هذه المجموعات أحيانًا أعمال فنان واحد، بينما تضم في حالات أخرى قطعًا متنوعة جُمعت على مدى سنوات طويلة، وغالبًا ما أنفق أصحابها مبالغ كبيرة وجهودًا طويلة في تكوينها، ما يجعل الورثة مترددين في التخلي عنها.
وعملت مارغريت فيشر لمدة عشر سنوات بين 2014 و2023 على الحفاظ على إرث والدتها الفنانة إثيل فيشر، من خلال إنشاء موقع إلكتروني، وتنظيم تبرعات لنحو 30 متحفًا، وصولًا إلى إقامة معرض فردي كبير في صالات لوألن بمدينة سانتا فيه في ولاية نيو مكسيكو. ورغم نجاح المعرض، لا تزال مسؤولية الحفاظ على إرث الفنانة تقع بشكل أساسي على عاتق ابنتها، بينما بقيت العديد من اللوحات المعروضة للبيع من دون مشترين.
وفي أفضل السيناريوهات، تنجح العائلة في تنظيم معرض خاص لأعمال الفنان، كما حدث مع أبناء الرسام إريك تاكر الذين أقاموا معرضًا لأعماله بعد عامين من وفاته عام 2020 في بلدة وارينغتون البريطانية، ما أدى لاحقًا إلى تمثيله من قبل صالات عرض في لندن وبيع أعماله. لكن هذه الحالات تبقى استثناءً، إذ يفوق حجم الأعمال الفنية المملوكة لجيل الطفرة الطلب المتوقع عليها.
أنفق جيل الطفرة السكانية مبالغ ضخمة على مدى عقود، إذ بلغ إنفاقهم في الولايات المتحدة نحو 7 تريليونات دولار عام 2005 وفق قيمة الدولار في 2026، بحسب شركة ماكينزي. ومع ازدياد ثراء هذه الفئة وانتقالها إلى منازل أكبر، ارتفع إنفاقها على المقتنيات الفنية.
وساهم الطلب غير المسبوق على الفن في زيادة عدد الفنانين وصالات العرض، حيث شهد سوق الفن توسعًا كبيرًا خلال العقود الماضية. وأشار مايكل دارلينغ، المؤسس المشارك لشركة “ميوزيوم إكستشينج”، إلى أن عالم الفن أصبح أكثر احترافية خلال فترة جيل الطفرة، مع ارتفاع عدد الفنانين القادرين على كسب العيش من أعمالهم.
وتشير بيانات قاعدة “أرت نت برايس” التي تتبع الفنانين الذين تُباع أعمالهم في المزادات، إلى ارتفاع عدد الفنانين المدرجين فيها من 8300 فنان عام 1988 إلى 90,275 فنانًا عام 2012.
ويواجه الورثة صعوبة في التعامل مع الأعمال الفنية التي كانت باهظة الثمن عند شرائها، إذ يصعب اعتبارها مجرد مقتنيات يمكن التخلص منها، بينما يمثل تخزينها أو العثور على مشترين لها تحديًا كبيرًا. كما أن العديد من الفنانين يفقدون شهرتهم مع مرور الوقت، ما يجعل بيع أعمال الفنانين الراحلين أكثر تعقيدًا مقارنة بالفنانين الأحياء.
وبحسب شركة ديلويت، من المتوقع أن تنتقل أعمال فنية بقيمة تقارب تريليون دولار عبر السوق الثانوية خلال السنوات العشر المقبلة، وهي نسبة صغيرة فقط من إجمالي الأعمال الفنية الموجودة. ويرجح أن يحتفظ الورثة بجزء محدود لأسباب عاطفية، بينما ستنتقل غالبية الأعمال عبر البيع أو التبرع أو حتى التخلص منها.
وقال فيليب هوفمان، رئيس ومؤسس مجموعة “فاين آرت غروب” التي تقدم استشارات للعائلات بشأن مجموعاتها الفنية، إن معظم العائلات التي يتعامل معها لم تناقش بعد ما ستفعله الأجيال المقبلة بهذه المجموعات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الورثة لا يبدون اهتمامًا حقيقيًا بالحفاظ عليها.
وأضاف أن معظم الجيل الجديد لا يرغب في الاحتفاظ بهذه الأعمال، بل يفضل امتلاك أشياء مختلفة، موضحًا أن بيع المجموعات يكون أسهل بالنسبة إلى الأثرياء جدًا الذين قد يرثون مجموعات بقيمة 100 مليون دولار أو أكثر، إذ تتولى دور المزادات الكبرى مثل “سوذبيز” التعامل معها.
أما بالنسبة إلى معظم الورثة، فقد تكون دور المزادات الكبرى أكثر انتقائية، وقد تهتم بقطعة أو قطعتين فقط إذا كانت ذات قيمة عالية، بينما يلجأ كثيرون إلى دور مزادات محلية صغيرة أو شركات تصفية ممتلكات لبيع الأعمال المتبقية، ما قد يؤدي إلى ضياع بعض القطع النادرة من دون اكتشاف قيمتها الحقيقية.
ويلجأ بعض الأشخاص إلى التبرع بالأعمال الفنية للمؤسسات المتحفية بدلًا من بيعها، خصوصًا للاستفادة من الإعفاءات الضريبية، لكن المتاحف تواجه بدورها صعوبة متزايدة في قبول المزيد من الأعمال. وقال دارلينغ إن موجة ضخمة من الأعمال الفنية قادمة، وإن استيعابها داخل المتاحف والمؤسسات غير الربحية سيكون أمرًا صعبًا.
وكان النموذج التقليدي يقوم على أن يجمع الأثرياء الفن ثم تجمع المتاحف مقتنيات هؤلاء الجامعين، لكن معظم المتاحف الكبرى اليوم تمتلك أعمالًا أكثر مما تستطيع عرضه، ولا تسعى غالبًا إلى إضافة المزيد إلا إذا كانت القطعة ذات قيمة استثنائية. كما تضررت ميزانيات المتاحف خلال جائحة كورونا، ما دفع العديد منها إلى طلب تبرعات مالية مرافقة لأي أعمال فنية يتم التبرع بها، بسبب ارتفاع تكاليف التخزين والتأمين والصيانة، بحسب وكالة بلومبيرغ.




