مشاعر مؤجّلة (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم تكن كل القصص لتبدأ بلقاءٍ استثنائي، وربما بعضها لم يبدأ بعد.
كانت الحياة تمضي كعادتها، سريعة لا تنتظر أحدًا، بينما كانت بعض المشاعر تقف في مكانها، ترفض النمو أو حتى الاختفاء.
كانت مؤجلة، لا لأن أصحابها لم يشعروا بها، بل لأن الوقت كان يسرقهم، أو هكذا أقنعوا أنفسهم.
كان كل شيء يبدو طبيعيًّا من الخارج، ابتسامات عابرة وأحاديث غير مقصودة، ورسائل تنتهي قبل أن تقول ما ينبغي.
كم من مرة التقت العيون ثم هربت؟! وكم من مرة كانت الحقيقة على طرف اللسان، لكنها عادت إلى القلب خوفًا من أن تغيّر كل شيء؟!
ربما كانت المسافات أقصر مما تبدو، لكن الكبرياء كانت أطول من أي طريق، فربما لم يكن الخوف من الرفض، بل من إجابة قد تأتي متأخرة، أو ربما لن تأتي.
ثمّة مشاعر لا تموت، لكنها تتعلم كيف تعيش بصمت. تختبئ بين تفاصيل الأيام، في أغنية تُسمع مصادفة، أو في مقعد ظل فارغًا، أو في موعد لم يعد له وجود إلا في الذاكرة. ومع مرور الوقت، يصبح الانتظار عادة، والصمت لغة لا تحتاج إلى ترجمة!
يقال أن الزمن كفيل بمسح جميع الذكريات، لكن الحقيقة أنه يعلمنا كيف نتعايش مع ما لم يكتمل، يضع فوق مشاعرنا طبقات من فوضى الحياة، حتى نظن أننا تجاوزناها، ثم يكفي موقفٌ عابر، أو رائحةٌ مألوفة، أو صوتٌ يشبه الماضي، لتنهار كل تلك الطبقات في لحظة.
ثمّة أشخاص لا يغادرون حين يرحلون، بل يتركون نسخًا منهم في الأماكن التي مروا بها، وفي الصمت الذي جاء بعد آخر لقاء. يظل حضورهم خفيًّا، لا يُرى، لكنه يُشعر القلب بثقله كلما حاول أن يبدأ من جديد.
ربما لهذا السبب، لا يخاف الإنسان من النهايات بقدر ما يخاف من الاحتمالات التي لم يمنحها فرصة. فثمّة أسئلة لا يجيب عنها الزمن، بل تبقى معلقة بين "ماذا لو؟" و"ليتني فعلت"، لتصبح مع الأيام جزءًا من الحكاية، لا يمكن حذفها، ولا إعادة كتابتها.
ولأن الحب لم يخلق ليؤجل، بل ليعاش، فما يخفى خوفًا من الخسارة، قد يفقد بصمت أشد قسوة من الخسارة في حد ذاتها. فالحب، حين يكون صادقًا، لا يُفسده الاعتراف... بل يذبل إذا ظلّ حبيس القلب، حتى يمر العمر، ولا يبقى منه سوى شعورٍ جميل... إذا جاء متأخرًا.




