المغرب كما رأيته (سلسلة "من هنا... وهناك" لوليد حسين الخطيب)


حين يصبح الوطن حكاية...
في بعض البلدان يزور الإنسان المدن، وفي بلدان أخرى يشعر بأنه يزور التاريخ، أما في المغرب فإنك تشعر بأنك تزور روحًا نابضة بالحياة، تمتد جذورها عميقًا في الحضارة، وتفتح ذراعيها بثقة نحو المستقبل.
في زيارتي الأخيرة إلى المغرب، لم تكن المعالم التاريخية وحدها أكثر ما شدّ انتباهي وسحرني، ولا الأسواق العتيقة، ولا الأزقة التي تفوح منها رائحة الأصالة، بل ذلك الانسجام الجميل بين الماضي والحاضر. ثمّة احترام واضح للقانون، وتنظيم يلمسه الزائر في تفاصيل الحياة اليومية، وحرص على أن تبقى المدن نظيفة، أنيقة، ومفعمة بالحياة والجمال.
المغرب بلد يعرف كيف يحافظ على هويته. فمن أقصى شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، تجد اعتزازًا بالتراث، وفي الوقت نفسه انفتاحًا على التطور. وهذا التوازن ليس أمرًا سهلًا، بل هو ثمرة وعيٍ وثقافةٍ ورقيّ وإيمان بأن الحضارة الحقيقية لا تعني التخلي عن الجذور، وإنما البناء عليها.
أما الطبيعة، فهي قصيدة أخرى، ومتعة للناظرين. الجبال الشامخة، والسهول الخضراء، والسواحل الممتدة، والمدن التي تتزين بألوانها المبهجة، كلها تجعل الزائر يشعر بأنه ينتقل بين لوحات فنية متتابعة. وكل مدينة تحمل شخصيتها الخاصة، لكنها تجتمع جميعًا تحت مظلة الجمال المغربي الأصيل.
ويبقى الإنسان المغربي هو العنوان الأجمل. ففي كل مكان لمستُ حسن الاستقبال، وكرم الضيافة، والابتسامة الصادقة، والاحترام الذي يُمنح للضيف من دون تكلف. إنها أخلاق متجذرة، تجعل الزائر لا يشعر بالغربة، بل يشعر بأنه بين أهله وأحبته.
رجعت من المغرب وأنا أحمل معي أكثر من صور جميلة وذكريات سعيدة؛ حملت انطباعًا راسخًا بأن هذا البلد استطاع أن يصنع معادلته الخاصة: أصالة لا تشيخ، وحداثة لا تقتلع الجذور، وإنسان يعرف كيف يصون تاريخه ويستقبل المستقبل بثقة.
لعل أجمل ما يمكن أن يقال عن المغرب أنه ليس بلدًا يُزار مرة واحدة، بل وطنٌ يترك في القلب أثرًا يدعو إلى العودة إليه كلما سنحت الفرصة.




