Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

البئر والخنزير والمواطن! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
26 يونيو 2026 | 08:23 ص
صورة مقالة وليد الخطيب عن الجرذان والخنزير والبئر

سمعتُ قبل أيام قصةً طريفةً في ظاهرها، مؤلمةً في باطنها، حتى خُيّل إليّ أن من يقرأها لم يكن يروي حكاية، بل كان يقرأ نشرة أخبار!

تقول القصة أن مزارعًا ألقى خنزيرًا ميتًا في بئر عميقة، فما هي إلا لحظات حتى تدافعت الجرذان إلى الداخل. كان المشهد أشبه بمهرجان مجّاني للطعام؛ لا رسوم دخول، ولا بطاقات تموين، ولا طوابير انتظار. جميعها تأكل، وهي سعيدة، وجميعها مقتنعة بأنها حقّقت انتصارًا تاريخيًّا.

لكن المشكلة الصغيرة التي لم تنتبه إليها الجرذان المحتفلة كانت أن البئر بلا مخرج.

وحين انتهت الوليمة بدأ الفصل الحقيقي من القصة. جاعت جميعها، فضاقت الصدور، ثم تضوّرت البطون، ثم بدأت المعركة. صار الجار عدوًا، والشريك خصمًا، والرفيق مشروع وجبة. وبعد جولات طويلة من الصراع لم يبقَ سوى جرذ واحد، فأنزل المزارع حبلًا وانتشله، لا تكريمًا له، ولا إعجابًا ببطولته، بل لأنه صار مؤهلًا لمَهمّة جديدة: نشر الخراب خارج البئر بعدما تمرّس فيه داخلها!

الغريب أن كثيرًا من مجتمعاتنا تبدو أنها تدير حياتها وفق هذا النموذج الباهر. فبدل أن يسأل أهل البئر: من وضعنا هنا؟ ولماذا لا نبحث عن مخرج؟ ينشغلون بالسؤال الأكثر أهمية: من المختلف عنا؟ ومن يستحق أن نحمّله مسؤولية كل المصائب منذ اختراع العجلة وحتى ارتفاع أسعار البندورة؟

ولعل هذا ما فهمه أصحاب السلطة منذ زمن بعيد. فهم لا يحتاجون دائمًا إلى قمع الناس ما دام الناس مستعدّين لأداء المهمة بأنفسهم. يكفي أن تُزرع بينهم أسباب الفرقة، وأن يُلقى لهم ما يشغلهم، ثم يتركون ليتباروا في تبادل الاتهامات والخصومات، بينما يجلس أصحاب اللعبة في المقاعد الوثيرة يراقبون المشهد بابتسامة الرضا.

لقد قيل قديمًا: "فرّق تسد"، وهذه عبارة قصيرة، لكنها ربما من أكثر العبارات ربحًا في التاريخ. فما أسهل حكم المتنازعين، وما أصعب حكم المتفقين!

فكم من معركة خاضها الناس ضد بعضهم بعضًا، بينما بقيت أسباب معاناتهم الحقيقية بمنأى عن المساءلة!

ومن هنا وهناك، يبدو أن أكبر إنجاز تحققه بعض الأنظمة ليس أن تجعل الناس يؤمنون بها، بل أن تجعلهم ينسون من وضَعَهم أصلًا في البئر، وينشغلون بدلًا من ذلك بعدّ أسنان الجرذ المجاور.

وعندئذٍ يصبح الجميع خاسرين... إلا صاحب الحبل!