Contact Us
Ektisadi.com
أدب

من الحراسة إلى القيادة... كلب يرعى القطيع في زمن الحرب جنوبي لبنان

3 مايو 2026 | 09:09 ص
كلب يرعى الأبقار في جنوب لبنان - سنيب

في الأزمنة العادية، نُربّي الكلاب على الطاعة، ونُدرّبها على الحراسة أو المرافقة، ونترك للقطط حريتها الملكية في تجاهلنا متى شاءت. لكن في الأزمنة غير العادية، يبدو أن الأدوار نفسها تدخل في حالة إعادة توزيع قسري، لا تستأذن أحداً ولا تنتظر موافقة منطقية من كتب السلوك الحيواني.

الخبر المتداول من جنوب لبنان عن كلب يتقدّم قطيع أبقار بين بلدتي صديقين والرمادية، ويقودها إلى المرعى ثم يعيدها إلى الحظيرة، ليس مجرد مشهد طريف يصلح للتداول السريع على وسائل التواصل. هو في مكان ما، مرآة مقلوبة لواقع أكبر بكثير: حين تنسحب اليد البشرية من تفاصيل الحياة اليومية، تتسلل الطبيعة لتملأ الفراغ بأكثر الطرق بدائية وصدقاً.

من المفترض أن الكلب كائن يحتاج إلى من يرعاه، لا من يتولى هو الرعاية. هو جزء من منظومة تعتمد على الإنسان: يُطعم، يُؤوى، ويُوجَّه. لكن الحرب، كما يفعل كثيراً، لا تكتفي بإعادة رسم الخرائط السياسية، بل تعيد أيضاً هندسة الأدوار الصغيرة التي تبدو غير مرئية. فجأة، يصبح الحيوان الذي اعتدنا رؤيته تابعاً، في موقع “المنظِّم” لما تبقّى من حياة يومية.

في هذا المشهد، لا يبدو الكلب بطلاً أسطورياً بقدر ما يبدو شاهداً مرتبكاً على غياب صاحبه. يقوم بما يستطيع، لا لأنه قرأ كتاباً في المسؤولية، بل لأن الفراغ لا يُترك فارغاً طويلاً. حتى الأبقار، في هذا السياق، لا تبدو مندهشة بقدر ما تبدو مستسلمة لرتابة جديدة، يقودها غير المتوقع، في عالم فقد كثيراً من المتوقع.

الطرافة هنا ليست في “ذكاء” الكلب، بل في المفارقة الإنسانية نفسها: نحن من نغيب، ثم نندهش حين يُكمل الآخرون - بشر أو حيوان - محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من النظام. كأن الحياة تقول بصوت منخفض: إن لم تفعلوها أنتم، سيحاول أحد ما… ولو لم يكن مؤهلاً في دفاتر البشر.

لكن خلف الابتسامة التي يثيرها المشهد، هناك حكمة قاسية أيضاً. فالحروب لا تغيّر فقط الجغرافيا والسياسة، بل تعيد تعريف معنى “الوظيفة” و”المسؤولية” و”الفراغ”. وفي هذا المعنى، قد لا يكون الكلب الذي يرعى الأبقار استثناءً بقدر ما هو عرض جانبي لعالم تُترك فيه التفاصيل الصغيرة لتدبّر نفسها بنفسها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: كيف تعلّم الكلب هذه المهمة؟

بل: كم من البشر اضطروا لترك مهامهم، حتى بدا الكلب - ببساطة شديدة - أكثر حضوراً منهم في إدارة الحياة اليومية؟