Contact Us
Ektisadi.com
أدب

رياح تحمل ذكريات (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
15 أبريل 2026 | 10:02 م
رياح تحمل ذكريا ت - صورة - سنيب

غادر المكان كما لو أنه يترك شيئًا لا يمكن أخذه، شيئًا محفورًا في الزوايا، بين رسم الضحكات والكلمات في حضرة الصمت المبتورة، ورحيل لم يخق فراغًا، بل حضورًا خفيًّا ينساب مع كل نسمة.

كان كلما لامست الرياح وجهه، شعر بها. لم تكن بجانبه، لكنها كانت هناك، تتسلل عبر الهواء، تحمل عبيرها ودفء وجودها، وتمتد عبر العدم لتصافحه.

هناك، حيث الشمس تختبئ خلف البحر، يجلس على مقعده ينتظرها.

كل نسمة تمر تحمل حنانها، ضحكتها المختبئة، كل كلمة لم تُقل، كل وعد لم يُكتب بعد.

أحيانًا، يشعر بها قريبة، فتخفق روحه في حضنها، وأحيانًا بعيدة جدًّا، فيظل يتلمس أثرها في الهواء. ويمضي الوقت ببطء، كأنه يمد يده نحو الماضي ليحمله معه، لكنه يتركه ينساب بين الأصابع. الرياح لا تهدأ، تجلب معها أصواتًا خافتة، همسات تتقاطع مع موج البحر، فتظن العين أنك تراها، لكنها مجرد ظل في الذاكرة.

ثم، في إحدى الأمسيات، حين كان البحر مظللًا بلون الفيروز الداكن، شعر بحركة خفيفة تتسلل من خلفه، كأنه يسمع أنفاسها، فتنهد وهو يقوم من مكانه، نظر يمينًا وشمالًا... لا شيء هناك، كأن الطبيعة تحاول أن تذكره بها.

وفي اللحظة نفسها، وضع يده على قلبه يريد أن يمسك به كي لا يخرج من صدره. كان ينبض بأمل قديم لا يزال حيًّا، الرياح تعانقه بشيء مألوف لكنه غامض في آن واحد.

تقدّم خطوة نحو البحر، والقدم تغوص في الرمال الباردة. الأمواج تتراجع أمامه وتعود، كأنها تتنفس معه. الرياح تحمل شيئًا غريبًا هذه المرة، لا يشبه عبيرها وحده، بل يحمل همسات الماضي ومزيجًا من ذكريات لم تمحَ بعد.

ثم، تهب نسمة فجأة، تقترب منه، تحمله بعيدًا من الزمان والمكان، تجعله يتذكر كل لحظة تركت أثرًا فيه، وكل كلمة لم تُنطق، وكل ضحكة اختبأت في الزوايا المنسية. يغمض عينيه، ويستسلم للحركة، كأن الرياح تعرف الطريق إلى الداخل، إلى تلك الزاوية التي كان يحفظ فيها حضورها، رغم غيابها.

وترك المكان، لا كمن يغادر، بل كمن يظل معه كل شيء جميل لم يُقل، وكل لحظة لم تُنسَ، محملًا بالهدوء الذي يأتي بعد الانتظار الطويل، بعد رياح تحمل ذكريات.