Contact Us
Ektisadi.com
أدب

منشر غسيل الأسرار... حين تتكلم الثياب أكثر من أصحابها

حسن خوندي
3 مايو 2026 | 07:24 ص
منشر غسيل الأسرار صورة مقال - سنيب

أيقنتُ أن مزاج جارتنا أم محمود لم يكن على ما يرام تلك الليلة، إذ إنّه ليس من عادتها أن تنشر غسيلها بهذه الطريقة الفوضوية والعشوائية، ولا أن تترك مساحات فارغة بين القطع.

كانت حبال الغسيل تَشي لي بما يدور خلف جدران الشقق المقابلة لشرفتنا.

وكان لنشر الغسيل قواعده الخاصة: على الحبل الأمامي تُنشر القطع الكبيرة والجديدة التي تستر ما خلفها، أمّا الحبل الأخير فيُخبَّأ عليه كل ما هو خاص، إذ إن الكشف عن الثياب الداخلية وحتى حمالات الصدر “الفارغة” كان مصدر قلق وخوف لربات البيوت.

وكان السروال القصير والقميص الأزرق لابنها محمود، حارس مرمى فريق كرة القدم في الحي، يتصدران غالبًا الصف الأمامي، كأنما هو يقف بالمرصاد لصد “نظرات الجزاء” المتطفلين.

وقد تتحول الحبال أحيانًا إلى وسيلة إعلام وإعلان واتصال لتبادل الرسائل بين الجيران. فعندما قامت أم عصام بعرض فوَطها القماشية البيضاء المائلة إلى الزرقة (جراء مفعول “زرّ النيل” الذي كان شائع الاستخدام)، بشكل ظاهر وملفت، نجحت في دحض كل الشائعات بأنها قاربت الخمسين من عمرها.

أما الخناقة الكبيرة التي حصلت مساء إحدى الليالي، والتي سُمعت أصداؤها حتى آخر الحي بين أم صالح وزوجها، وأُشيع على أثرها أنها قد تتسبب بطلاقهما، فقد كذّبتها أم صالح حين نشرت في الصباح الباكر ملابسهما الداخلية الزاهية على الحبل الأول من المنشر.

وأما صورة الملابس والمناديل السوداء المغسولة، التي كانت تقطر دموعًا من منشر أم صالح حدادًا على وفاة ابنتها المراهقة، فما برحت معلّقة على حبال ذاكرتي…

آهٍ لمنشر الغسيل الثرثار! فهو لا يعلم أن الأسرار لا تجف تحت الشمس.