اليوم العالمي لحرية الصحافة... اغتيال الحقيقة بالحرب وبيعها في أسواق النفوذ

في الثالث من أيار/مايو من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتكريم الصحافيين الذين يدفعون أثماناً باهظة في سبيل نقل الحقيقة، وللتأكيد أن حرية التعبير ليست ترفاً سياسياً، بل ركيزة أساسية من ركائز المجتمعات الحرة. غير أن هذه المناسبة، بدل أن تكون احتفالاً بالكلمة، تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى محطة ثقيلة بالأسئلة، حيث تتراجع مساحة الحرية أمام تصاعد العنف السياسي والعسكري، وتغدو الحقيقة نفسها هدفاً مشروعاً في معارك لا تعترف بالحياد.
في مناطق النزاع، لم يعد الصحافي شاهداً محايداً بقدر ما أصبح جزءاً من المشهد المستهدف. في قطاع غزة، استُشهد عدد كبير من الصحافيين خلال العدوان العسكري الإسرائيلي، في واحدة من أكثر الفترات دموية للإعلاميين وفق تقديرات لجنة حماية الصحفيين. لم يكن هؤلاء ضحايا عرضيين لنيران عشوائية، بل سقطوا في ظروف تشير في كثير من الحالات إلى استهداف مباشر رغم وضوح هويتهم المهنية. الكاميرا التي يفترض أن تحمي صاحبها بصفة "الشاهد" تحوّلت إلى عبء، وأحياناً إلى علامة استهداف، في سياق يتعامل مع الإعلام بوصفه امتداداً للصراع لا مراقباً له.
وفي لبنان، تكرّر المشهد بصورة مقلقة خلال التصعيد على الحدود الجنوبية، حيث طالت الضربات الإسرائيلية مواقع وجود صحافيين كانوا يغطّون الأحداث ميدانياً. سقط بعضهم شهداء أو جرحى، رغم ارتدائهم سترات صحافية واضحة وتمركزهم في نقاط معروفة، ما يعكس تآكلاً خطيراً في قواعد حماية الإعلاميين المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. وبين غياب التحقيقات الحاسمة وتباطؤ المساءلة، يتكرّس انطباع بأن استهداف الصحافة يمكن أن يمرّ بلا كلفة تُذكر.
غير أن الخطر لا يأتي فقط من الجبهات الساخنة، بل يمتد أيضاً إلى مراكز القرار السياسي، حتى في الدول التي طالما قدّمت نفسها كنموذج لحرية التعبير. فقد شكّلت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مثالاً واضحاً على تصاعد الخطاب العدائي تجاه الإعلام، إذ كرر وصف وسائل إعلامية بأنها “عدوة الشعب”، ولوّح باتخاذ إجراءات ضد مؤسسات وصحافيين. هذا الخطاب، حين يصدر عن رأس السلطة، لا يبقى في حدود السجال السياسي، بل يتحول إلى عنصر ضغط فعلي يضعف ثقة الجمهور بالإعلام، ويمنح أنظمة أخرى مبررات إضافية لتشديد قبضتها على الصحافة تحت ذرائع مشابهة.
ومع تطور التكنولوجيا، لم تعد أدوات تقييد الصحافة تقليدية أو مرئية دائماً. فقد ظهرت أشكال جديدة من الضغط تشمل الحملات الرقمية المنظمة، والتشهير، والتهديد عبر وسائل التواصل، إضافة إلى محاولات السيطرة غير المباشرة من خلال الإعلانات والتمويل وشراء المؤسسات الإعلامية. في هذا المناخ، يجد الصحافي نفسه محاصراً بين مخاطر متعددة: من رصاص الميدان وخوارزميات التشويه إلى ضغوط السياسة والاقتصاد، في معركة غير متكافئة على بقاء صوته مستقلاً.
إلا أن التحدي لا يقتصر على ما يُفرض على الصحافة من الخارج، بل يمتد أحياناً إلى داخلها. فثمة واقع معقّد يفرض على بعض الصحافيين الخضوع لضغوط المؤسسات التي يعملون لديها أو لمراكز النفوذ السياسي والمالي التي تموّل هذه المؤسسات. وفي حالات أخرى، تتآكل الحدود الأخلاقية للمهنة، فينزلق بعض العاملين في الإعلام إلى تبرير الانحياز أو تسويقه، أو حتى إلى بيع الذمم مقابل مكاسب مادية أو سياسية. هذا الانحراف، وإن لم يكن معمّماً، يضرب جوهر المهنة من الداخل، لأنه يبدّل وظيفة الصحافة من نقل الحقيقة إلى إعادة تشكيلها وفق مصالح محددة، ويضعف ثقة الجمهور بالإعلام ككل، لا فقط بمن يخرقون المعايير.
كما أن هشاشة الأوضاع الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية في كثير من الدول، ومنها لبنان، تجعل الصحافي أكثر عرضة للابتزاز أو الإغراء، في ظل غياب الحماية المهنية والاجتماعية الكافية. فحين يصبح الاستقرار الوظيفي مهدداً، تتحول الاستقلالية إلى ترف صعب المنال، ويصبح الالتزام بالمعايير الأخلاقية معركة يومية في مواجهة الضغوط. وهنا، لا يمكن فصل مسؤولية الأفراد عن مسؤولية البنى الإعلامية نفسها، التي قد تفرض خطوطاً تحريرية مرتبطة بمصالح مالكيها أو مموليها.
الأخطر من كل ذلك هو أن كثيراً من الانتهاكات بحق الصحافيين، سواء كانت قتلاً أو ترهيباً أو إفساداً ممنهجاً للمهنة، تمرّ من دون محاسبة جدية، ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب. فعندما يُقتل صحافي أو يُستهدف أو يُدفع إلى التنازل عن معاييره من دون أن تترتب على ذلك تبعات واضحة، تتحول الجريمة بأشكالها المختلفة إلى سابقة قابلة للتكرار. وهنا، لا يعود الخطر مقتصراً على الأفراد، بل يمتد ليطال الحق العام في الوصول إلى المعلومات، ويقوّض أحد أهم أسس الرقابة والمساءلة في أي مجتمع.
في هذا السياق، يبدو أن حرية الصحافة لم تعد مجرّد مبدأ يُحتفى به، بل قضية تحتاج إلى إعادة دفاع وتثبيت من الخارج والداخل معاً. فالصحافة، في جوهرها، ليست مهنة فقط، بل وظيفة عامة تتعلق بحماية الحقيقة من التلاعب، وبإبقاء السلطة - أيّاً كانت - تحت أعين المساءلة. وإذا ما استمر استهداف الصحافيين، واستمر في المقابل تآكل المعايير داخل بعض المؤسسات، فإن الخسارة لن تكون فردية، بل جماعية، تمسّ وعي المجتمعات وقدرتها على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يكفي استحضار الشعارات، بل تبرز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة لحماية الصحافيين، وإلى إرادة حقيقية لوضع حد للإفلات من العقاب، وإلى مراجعة داخلية تعيد الاعتبار لأخلاقيات المهنة واستقلاليتها. فحين تُخنق الكلمة من الخارج أو تُفرغ من مضمونها في الداخل، لا يختفي الخبر فقط، بل تضيع معه الحقيقة.




