Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

ثقافة بلا كتب

13 مايو 2026 | 09:29 ص
صورة مقال ثقافة بلا كتب - سنيب

في المجتمعات العربية، يكاد لقب “المثقف” يكون من أكثر الألقاب إثارة للجدل وسوء الفهم في آن واحد. فهناك من يربط الثقافة بعدد الكتب المقروءة، وآخر يربطها بالشهادات الجامعية، بينما يرى فريق ثالث أن الثقافة تظهر في طريقة الكلام واستخدام المصطلحات المعقدة. لكن الحقيقة أن الثقافة، في معناها الأعمق، ليست رفوفاً ممتلئة بالكتب، ولا شهادات معلّقة على الجدران، بل هي قدرة الإنسان على فهم الحياة والتعامل معها بوعي واتزان.

كم من شخص أنهى تعليمه مبكراً، وربما غادر المدرسة في طفولته أو مراهقته، لكنه يمتلك من الحكمة والخبرة ما يجعله أكثر وعياً من أصحاب أعلى الدرجات العلمية. هؤلاء لم تصنعهم الجامعات، بل صنعتهم الحياة. التجربة اليومية، والعمل المبكر، ومخالطة الناس، وتحمل المسؤوليات، والاحتكاك المباشر بالواقع، كلها تحولت إلى مدرسة مفتوحة كوّنت لديهم فهماً عميقاً للإنسان والمجتمع.

الثقافة ليست حفظ المعلومات بقدر ما هي القدرة على استخدامها في فهم العالم. قد تجد رجلاً بسيطاً لا يعرف أسماء الفلاسفة الغربيين، لكنه يعرف كيف يحل النزاعات بين الناس، وكيف يقرأ الشخصيات، وكيف يميز بين الصدق والخداع. وقد تجد امرأة لم تكمل تعليمها، لكنها تمتلك وعياً اجتماعياً وإنسانياً يجعل حديثها أكثر عمقاً من كثير من “المثقفين” الذين لا يغادر علمهم صفحات الكتب.

هذا لا يعني التقليل من أهمية القراءة أو العلم، فالمعرفة تبقى ضرورة لتطور الإنسان والمجتمعات. لكن الخطأ يكمن في اختزال الثقافة بالشهادات أو بعدد الكتب التي يعلن الشخص أنه قرأها. فهناك فرق كبير بين إنسان يقرأ ليبدو مثقفاً، وآخر يعيش بوعي يجعله يفهم الحياة حتى وإن كانت قراءاته محدودة وبسيطة.

لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً في خلق صورة مشوشة عن المثقف. أصبح البعض يظن أن استخدام الاقتباسات الطويلة أو الحديث بلغة معقدة يكفي لصناعة “هيبة ثقافية”. بينما الثقافة الحقيقية تظهر في التواضع، وفي القدرة على الإصغاء، وفي احترام الاختلاف، وفي امتلاك حس نقدي وإنساني تجاه القضايا اليومية.

المفارقة أن بعض أكثر الناس بساطة هم الأكثر ثقافة بمعناها الحقيقي. العامل الذي يكدّ يومياً ويعرف قيمة التعب، أو الأب الذي ربّى أبناءه بكرامة رغم قسوة الظروف، أو المرأة التي كوّنت وعياً بالحياة من خلال المعاناة والصبر؛ هؤلاء يملكون شكلاً من الثقافة لا تمنحه الجامعات بسهولة.

إن تعريف المثقف يحتاج إلى مراجعة حقيقية. فالمثقف ليس فقط من يقرأ كثيراً، بل من يفهم كثيراً. وليس من يتحدث بلغة معقدة، بل من يمتلك رؤية ناضجة للحياة والناس. الثقافة قد تبدأ من كتاب، لكنها لا تكتمل إلا بالتجربة الإنسانية.

وفي زمن تتكدس فيه المعلومات بضغطة زر، ربما أصبح السؤال الأهم: هل نريد أناساً يحفظون المعرفة، أم أناساً يفهمون الحياة؟