هدنة لبنان وإسرائيل... وقف نارٍ مؤقت يضع معادلة المقاومة أمام اختبار جديد

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تأتي هدنة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل اعتباراً من منتصف ليل الخميس - الجمعة (16/ 17 نيسان/أبريل 2026) بوصفها استراحة هشّة أكثر منها تسوية مستقرة. فهذه الهدنة، مهما بدت ضرورية لوقف النزف الميداني، لا تعكس تحوّلاً جذرياً في موازين القوى أو في طبيعة الصراع، بقدر ما تعبّر عن تقاطع مؤقت لمصالح الأطراف المعنية، إقليمياً ودولياً.
من حيث الشكل، تلبّي الهدنة حاجة ملحّة للطرفين: إسرائيل تسعى إلى احتواء جبهة الشمال المستنزفة لها، لا سيما مع الصمود الأسطوري للمقاومين في بنت جبيل والعديد من المحاور الأُخرى، وإلى منع توسّع المواجهة إلى حرب شاملة، فيما يواجه لبنان، المثقل بأزماته الاقتصادية والسياسية، ضغوطاً داخلية وخارجية لوقف التصعيد. لكن من حيث المضمون، تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة: هل هي مقدّمة لترتيبات طويلة الأمد، أم مجرّد هدنة تكتيكية بانتظار جولة قتال جديدة؟
في هذا السياق، يحتل موقع "حزب الله" موقعاً محورياً في قراءة الهدنة. فالمقاومة، التي رسّخت خلال السنوات الماضية معادلة ردع مع إسرائيل، لا تنظر إلى التهدئة بوصفها تنازلاً استراتيجياً، بل كجزء من إدارة الصراع. بمعنى آخر، الهدنة بالنسبة لها ليست نهاية الاشتباك، بل أداة من أدواته، تُستخدم لإعادة التموضع وامتصاص الضغوط وترتيب الأولويات.
هذا التموضع ينسجم مع عقيدة تقوم على "الردع المتدرّج"، حيث يتم ضبط الإيقاع العسكري وفق حسابات دقيقة تتجاوز البُعد المحلي إلى الإقليمي. فقرار الحرب والسلم، في حالة "حزب الله"، لا ينفصل عن شبكة تحالفات أوسع، لا سيما مع إيران، بما يجعل أي تهدئة مرتبطة أيضاً بحسابات إقليمية تشمل ملفات متعددة، من قطاع غزة الفلسطيني إلى البحر الأحمر.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذه الهدنة تضع المقاومة أمام تحديات داخلية. فجزء من الرأي العام اللبناني، المُنهك اقتصادياً، بات أكثر حساسية تجاه أي تصعيد عسكري قد يجر البلاد إلى حرب مفتوحة. وهذا يتطلب الموقف من "حزب الله" موازنة دقيقة بين الحفاظ على صورة "المقاومة" التي ترسّخت على مدى عدة عقود، وما تخللها من معادلة الردع، وبين تجنّب الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يتحمّل لبنان كلفتها.
أما الاحتلال الإسرائيلي، فينظر إلى الهدنة من زاوية مختلفة. فحكومته المتشددة برئاسة بنيامين نتنياهو تدرك أن القضاء الكامل على قدرات "حزب الله" ليس هدفاً واقعياً في المدى المنظور، لكنها تسعى إلى تقليص هامش تحرّكه وفرض قواعد اشتباك أكثر صرامة. لذلك، قد تستخدم الهدنة كمرحلة لإعادة تقييم استراتيجيتها، سواء عبر الضغط الدبلوماسي أو العمليات المحدودة.
بالإجمال، تبدو الهدنة الحالية التي أصبحت سارية المفعول منتصف هذا الليل، أشبه بـ"هدوء مسلّح" لا يُلغي احتمالات الانفجار. فالعوامل التي أدّت إلى التصعيد ما زالت قائمة، من النزاع الحدودي إلى التوترات الإقليمية الأوسع. وعليه، فإن استدامة التهدئة ستبقى رهينة توازنات دقيقة وقد تنهار عند أول اختبار جِدّي.
النتيجة الأهم أن موقع المقاومة لم يتراجع، لكنه أيضاً لم يتحوّل إلى موقع مريح في ضوء هذه الهدنة المحدّدة بعشرة أيام. هو موقع بين تثبيت الردع وتفادي الحرب، بين السياسة والسلاح، وبين الداخل اللبناني والإقليم. وهذه المنطقة الرمادية، بكل تعقيداتها، هي التي ستحدّد شكل المرحلة المقبلة: هدنة قابلة للتجديد... أم مجرّد فاصلة بين جولات صراع لم تنتهِ بعد.




